Jamic des Mères
جامع الأمهات
Enquêteur
أبو عبد الرحمن الأخضر الأخضري
Maison d'édition
اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع
Édition
الثانية
Année de publication
1419 AH
Lieu d'édition
دمشق
وَقَعَ إِلا أَنَّ الْغَلَّةَ تُخْتَارُ عَلَى مَا لَيْسَ بِغَلَّةٍ، وَهَكَذَا هَذَا الْبَابُ، كَمَا اشْتَرَيْتُ لَكَ إِنَّمَا يُرْجَعُ إِلَى الأَمْثَلِ فَالأَمْثَلِ عَلَى قَدْرِ الإِمْكَانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ لِئَلا تُخِلَّ بِوَجْهِ التَّحَرِّي رِفْعَةٌ، وَلِيَسْلَمَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْغَاشِمِينَ الْخَابِطِينَ الْعَشْوَاءَ فِي مَعِيشَتِهِمْ لا يَسْأَلُونَ وَلا يَتَحَرَّجُونَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي تَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَاعْتِزَالِ شُرُورِ النَّاسِ، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ، وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَلا يُرَى إِلا سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٌ لِمَعَاشِهِ فَكَيْفَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مُؤْمِنًا عَالِمًا بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ؟!
وَيَحِقُّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي عِلْمِهِ، وَيَحْتَرِسَ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَقِفَ عَلَى مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ وَيُقِلَّ الرِّوَايَةَ جُهْدَهُ وَيُنْصِفَ جُلَسَاءَهُ وَيُلِينَ لَهُمْ جَانِبَهُ، وَيُثِيبَ سَائِلَهُ، وَيُلْزِمَ نَفْسَهُ الصَّبْرَ، وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ وَيَصْفَحَ عَنْ زَلَّةِ جَلِيسِهِ، وَلا يُؤَاخِذَهُ بِعَثْرَتِهِ. وَمَنْ جَالَسَ عَالِمًا فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الإِجْلالِ وَلْيُنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ، فَإِنْ رَاجَعَهُ فَتَفَهُّمًا لا تَعَنُّتًا، وَلا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ سَاءَلَهُ، فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ وَيُنْتَظَرُ بِالْعَالِمِ فَيْئُهُ وَلا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَتُهُ، وَبِقَدْرِ إِجْلالِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِ، وَمَنْ نَاظَرَهُ فِي عِلْمٍ فَبِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَتَرْكِ الاسْتِعْلاءِ، فَحَسَنُ التَّأَنِّي وَجَمِيلُ الأَدَبِ مُعَيَّنَانِ عَلَى الْعِلْمِ، وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ، وَالأُولَى بِالْعِلْمِ صِيَانَتُهُ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ وَعَيْبٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا، وَذَوُو الْعِلْمِ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُرُوءَةِ وَالأَدَبِ وَصِيَانَةِ الدِّينِ وَنَزَاهَةِ النَّفْسِ.
وَحَقِيقٌ عَلَى الْعَالِمِ أَلا يَخْطُوَ خُطْوَةً لا يَنْبَغِي فِيهَا ثَوَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلا يَجْلِسُ مَجْلِسًا يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ، فَإِنِ ابْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فَلْيَقُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ، وَإِرْشَادِ مَنِ اسْتَخَارَهُ وَوَعْظِهِ، وَلا يُجَالِسُهُ بِمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يُخَالِفُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي مَرْضَاتِهِ، وَلا يَتَعَرَّضُ فِيهِ خَاصَّةً لِنَفْسِهِ وَلا أَحْسَبُهُ وَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ أَنْ يَنْجُوَ، وَلا يُعْلِمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِنْ إِجْلالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِجْلالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ، وَإِجْلالُ الإِمَامِ الْمُقْسِطِ.
وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُحْتَرِزًا مِنْ إِخْوَانِهِ، فَلَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيمًا إِلا مَعَارِفُهُمْ، وَالْمَغْرُورُ مِنِ اغْتِرَارِهِ
1 / 575