844

[النساء: 26] يقول وليسددكم سنن الذين من قبلكم، يعني: سبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه ومناهجهم، فيما حرم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بين فيهما ما حرم من النساء. { ويتوب عليكم } يقول: يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبل الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحى إلى نبيه من ذلك عليكم، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم. { والله عليم } يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده في أديانهم ودنياهم، وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذرون ما أحل أو حرم عليهم حافظ ذلك كله عليهم، حكيم بتدبيره فيهم في تصريفهم فيما صرفهم فيه. واختلف أهل العربية في معنى قوله: { يريد الله ليبين لكم } فقال بعضهم: معنى ذلك، يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم، وقال: ذلك كما قال:

وأمرت لأعدل بينكم

[الشورى: 15] بكسر اللام، لأن معناه: أمرت بهذا من أجل ذلك. وقال آخرون: معنى ذلك: يريد الله أن يبين لكم، ويهديكم سنن الذين من قبلكم وقالوا: من شأن العرب التعقيب بين كي ولام كي وأن، ووضع كل واحدة منهن موضع كل واحدة من أختها مع أردت وأمرت، فيقولون: أمرتك أن تذهب ولتذهب، وأردت أن تذهب ولتذهب، كما قال الله جل ثناؤه:

وأمرنا لنسلم لرب العلمين

[الأنعام: 71]، وقال في موضع آخر: «وأمرت أن أكون أول من أسلم»، وكما قال:

يريدون ليطفئوا نور الله

[الصف: 8]، ثم قال في موضع آخر:

يريدون أن يطفئوا

[التوبة: 32] واعتلوا في توجيههم «أن» مع «أمرت» و«أردت» إلى معنى «كي» وتوجيه «كي» مع ذلك إلى معنى «أن» لطلب «أردت» و«أمرت» الاستقبال، وأيهما لا يصلح معها الماضي، لا يقال: أمرتك أن قمت ولا أردت أن قمت. قالوا: فلما كانت «أن» قد تكون مع الماضي في غير «أردت» و«أمرت»، ذكروا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، من «كي» واللام التي في معنى «كي» قالوا: وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانا في الحرف الواحد، فقال قائلهم في الجمع:

أردت لكيما أن تطير بقربتي

Page inconnue