841

القول في تأويل قوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا حرج عليكم أيها الإزواج إن أدركتكم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن فريضة فيما تراضيتم به، من حط وبراءة، بعد الفرض الذي سلف منكم لهن ما كنتم فرضتم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال الله: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة }. وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم أنتم والنساء واللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل الذي أجلتموه بينكم وبينهم في الفراق، أن يزدنكم في الأجل وتزيدوا من الأجر والفريضة قبل أن يستبرئن أرحامهن. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى، يعني: الأجرة التي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا، فازداد قبل أن يستبرىء رحمها، ثم تنقضي المدة، وهو قوله: { فيما تراضيتم به من بعد الفريضة }. وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم بعد أن تؤتوهن أجورهم على استمتاعكم بهن من مقام وفراق. ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } والتراضي أن يوفيها صداقها، ثم يخيرها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا جناح عليكم فيما وضعت عنكم نساؤكم من صدقاتهن من بعد الفريضة. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } قال: إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من عد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن من حط ما وجب لهن عليكم، أو إبراء أو تأخير ووضع . وذلك نظير قوله جل ثناؤه:

وءاتوا النسآء صدقتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا

[النساء: 4]. فأما الذي قاله السدي فقول لا معنى له فساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين. وأما قوله: { إن الله كان عليما حكيما } فإنه يعني: إن الله كان ذا علم بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه بما يدبر لكم ولهم من التدبير، وفيما يأمركم وينهاكم لا يدخل حكمته خلل ولا زلل.

[4.25]

اختلف أهل التأويل في معنى الطول الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، فقال بعضهم: هو الفضل والمال والسعة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { ومن لم يستطع منكم طولا } قال: الغنى. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنى معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { ومن لم يستطع منكم طولا } يقول: من لم يكن له سعة. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ومن لم يستطع منكم طولا } يقول: من لم يستطع منكم سعة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قوله: { ومن لم يستطع منكم طولا } قال: الطول: الغنى. حدثني ابن المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: { ومن لم يستطع منكم طولا } قال: الطول: السعة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ومن لم يستطع منكم طولا } أما قوله طولا: فسعة من المال. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ومن لم يستطع منكم طولا }... الآية ، قال: طولا: لا يجد ما ينكح به حرة. وقال آخرون: معنى الطول في هذا الموضع: الهوى. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنى عبد الجبار بن عمرو، عن ربيعة أنه قال في قول الله: { ومن لم يستطع منكم طولا } قال: الطول: الهوى، قال: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان ربيعة يلين فيه بعض التليين، كان يقول: إذا خشي على نفسه إذا أحبها أي الأمة وإن كان يقدر على نكاح غيرها فإني أرى أن ينكحها. حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر أنه سئل عن الحر يتزوج الأمة، فقال: إن كان ذا طول فلا. قيل: إن وقع حب الأمة في نفسه؟ قال: إن خشي العنت فليتزوجها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن عبيدة، عن الشعبي، قال: لا يتزوج الحر الأمة إلا أن لا يجد.

وكان إبراهيم يقول: لا بأس به. حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء يقول: لا نكره أن ينكح ذو اليسار الأمة إذا خشي أن يسعى بها. قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى الطول في هذا الموضع: السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله تبارك وتعالى لم يحرم شيئا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة، فأحل ما حرم من ذلك عند غلبته المحرم عليه له لقضاء لذة. فإذ كان ذلك إجماعا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يحل له من أجل غلبة هوى سره فيها، لأن ذلك مع وجوده الطول إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة وليس بموضع ضرورة تدفع ترخصه كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه فيترخص في أكلها ليحيى بها نفسه ، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاك منه ما حرم عليهم منها فيغيرها من الأحوال. ولم يرخص الله تبارك وتعالى لعبد في حرام لقضاء لذة، وفي إجماع الجميع على أن رجلا لو غلبه هوى امرأة حرة أو أمرأة أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضح فساد قول من قال: معنى الطول في هذا الموضع: الهوى، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاح الإماء. فتأويل الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا: ومن لم يجد منكم سعة من مال لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم. وأصل الطول: الإفضال، يقال منه: طال عليه يطول طولا في الإفضال، وطال يطول طولا في الطول الذي هو خلاف القصر. القول في تأويل قوله تعالى: { أن ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت }. يعني بذلك: ومن لم يستطع منكم أيها الناس طولا، يعني: من الأحرار أن ينكح المحصنات وهن الحرائر المؤمنات اللواتي قد صدقن بتوحيد الله وبما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحق. وبنحو ما قلنا في المحصنات قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنى معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { أن ينكح المحصنت } يقول: أن ينكح الحرائر، فلينكح من إماء المؤمنين. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { أن ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم } قال: المحصنات الحرائر، فلينكح الأمة المؤمنة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما فتياتكم: فإماؤكم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: { أن ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت } قال: أما من لم يجد ما ينكح به الحرة فيتزوج الأمة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { أن ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت } قال: من لم يجد ما ينكح به حرة فينكح هذه الأمة فيتعفف بها ويكفيه أهلها مؤنتها، ولم يحل الله ذلك لأحد إلا لمن لا يجد ما ينكح به حرة وينفق عليها، ولم يحل له حتى يخشى العنت. حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سفيان، عن هشام الدستوائي، عن عامر الأحول، عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طولا لحرة فلاينكح أمة. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قراء الكوفيين والمكيين: { أن ينكح المحصنت } بكسر الصاد مع سائر ما في القرآن من نظائر ذلك سوى قوله:

والمحصنت من النسآء إلا ما ملكت أيمنكم

[النساء: 24] فإنهم فتحوا الصاد منها، ووجهوا تأويله إلى أنهن محصنات بأزواجهن، وأن أزواجهن هم أحصنوهن. وأما سائر ما في القرآن فإنهم تأولوا في كسرهم الصاد منه إلى أن النساءهن أحصن أنفسهن بالعفة. وقرأت عامة قراء المدينة والعراق ذلك كله بالفتح، بمعنى أن بعضهن أحصنهن أزواجهن، وبعضهن أحضهن حريتهن أو إسلامهن. وقرأ بعض المتقدمين كل ذلك بالكسر، بمعنى أنهن عففن وأحصن أنفسهن. وذكرت هذه القراءة أعني بكسر الجميع عن علقمة على الاختلاف في الرواية عنه. قال أبو جعفر: والصواب عندنا من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مع اتفاق ذلك في المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب، إلا في الحرف الأول من سورة النساء، وهو قوله: { والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمنكم } فإني لا أستجيز الكسر في صاده لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها. ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضتها بفتحها كان صوابا القراءة بها كذلك لما ذكرنا من تصرف الإحصان في المعاني التي بيناها ، فيكون معنى ذلك لو كسر: والعفائف من النساء حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم، بمعنى أنهن أحصن أنفسهن بالعفة. وأما الفتيات فإنهن جمع فتاة، وهن الشواب من النساء، ثم يقال لكل مملوكة ذات سن أو شابة فتاة، والعبد فتى. ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله: { من فتيتكم المؤمنت } تحريم ما عدا المؤمنات منهن، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين؟ فقال بعضهم: ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { من فتيتكم المؤمنت } قال: لا ينبغي أن يتزوج مملوكة نصرانية. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { من فتيتكم المؤمنت } قال: لا ينبغي للحر المسلم أن ينكح المملوكة من أهل الكتاب. حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك ابن أنس، ومالك بن عبد الله بن أبي مريم، يقولون: لا يحل لحر مسلم ولا لعبد مسلم الأمة النصرانية، لأن الله يقول: { من فتيتكم المؤمنت } يعني بالنكاح. وقال آخرون: ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم. وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة، قال: قال أبو ميسرة، أما أهل الكتاب بمنزلة الحرائر. ومنهم أبو حنيفة وأصحابه. واعتلوا لقولهم بقول الله:

Page inconnue