775

" إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز، وإنه ستكون فيكم مصيبة "

قالوا: يا نبي الله خاصة أو عامة؟ قال: «سترونها». ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن بقرا تنحر، فتأولها قتلا في أصحابه. ورأى أن سيفه ذا الفقار انقصم، فكان قتل عمه حمزة، قتل يومئذ، وكان يقال له أسد الله. ورأى أن كبشا عتر، فتأوله كبش الكتيبة عثمان بن أبي طلحة أصيب يومئذ، وكان معه لواء المشركين. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه، غير أنه قال: { قد أصبتم مثليها } يقول: مثلي ما أصيب منكم، { قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } يقول: بما عصيتم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: أصيب المسلمون يوم أحد مصيبة، وكانوا قد أصابوا مثليها يوم بدر ممن قتلوا وأسروا، فقال الله عز وجل: { أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، قال: قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين، فذلك قوله: { قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا } إذ نحن مسلمون نقاتل غضبا لله، وهؤلاء مشركون { قل هو من عند أنفسكم } عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ما قال. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن: { أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } قالوا: فإنما أصابنا هذا، لأنا قبلنا الفداء يوم بدر من الأسارى، وعصينا النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فمن قتل منا كان شهيدا، ومن بقي منا كان مطهرا، رضينا بالله ربا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن وابن جريج، قالا: معصيتهم أنه قال لهم: لا تتبعوهم يوم أحد فاتبعوهم. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، ثم ذكر ما أصيب من المؤمنين، يعني بأحد، وقتل منهم سبعون إنسانا { أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها } كانوا يوم بدر أسروا سبعين رجلا وقتلوا سبعين. { قلتم أنى هذا }: أي من أين هذا؟ { قل هو من عند أنفسكم } أنكم عصيتم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها } يقول: إنكم أصبتم من المشركين يوم بدر، مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ثم ذكر المصيبة التي أصابتهم، فقال: { أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم }: أي إن تك قد أصابتكم مصيبة في إخوانكم فبذنوبكم قد أصبتم مثليها قتلا من عدوكم في اليوم الذي كان قبله ببدر، قتلى وأسرى، ونسيتم معصيتكم وخلافكم ما أمركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم، إنكم أحللتم ذلك بأنفسكم. { إن الله على كل شىء قدير }: أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها }... الآية، يعني بذلك: أنكم أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد. وقال بعضهم: بل تأويل ذلك: قل هو من عند أنفسكم بإسارتكم المشركين يوم بدر، وأخذكم منهم الفداء، وترككم قتلهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: أسر المسلمون من المشركين سبعين، وقتلوا سبعين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء فتتقووا به على عدوكم، وإن قبلتموه قتل منكم سبعون أو تقتلوهم "

فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، ويقتل منا سبعون. قال: فأخذوا الفدية منهم، وقتلوا منهم سبعين قال عبيدة: وطلبوا الخيرتين كلتيهما. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة أنه قال في أسارى بدر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم "

قالوا: بل نأخذ الفداء فنستمتع به، ويستشهد منا بعدتهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني إسماعيل، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة السلماني وحدثني حجاج عن جرير، عن محمد، عن عبيدة السلماني، عن علي، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين، أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر ذلك لهم. فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره! قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر.

[3.166-167]

يعني تعالى ذكره بذلك: والذي أصابكم يوم التقى الجمعان، وهو يوم أحد حين التقى جمع المسلمين والمشركين. ويعني بالذي أصابهم: ما نال من القتل من قتل منهم، ومن الجراح من جرح منهم { فبإذن الله } يقول: فهو بإذن الله كان، يعني: بقضائه وقدره فيكم. وأجاب «ما» بالفاء، لأن «ما» حرف جزاء، وقد بينت نظير ذلك فيما مضى قبل: { وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا } بمعنى: وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميز أهل الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين. وقد بينا تأويل قوله: { وليعلم المؤمنين } فيما مضى، وما وجه ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وما أصبكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين }: أي ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوكم فبإذني، كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم بعد أن جاءكم نصري وصدقتم وعدي، ليميز بين المنافقين والمؤمنين، { وليعلم الذين نافقوا } منكم، أي ليظهروا ما فيهم. القول في تأويل قوله تعالى: { وقيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعنكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم والله أعلم بما يكتمون }. يعني تعالى ذكره بذلك: عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، حين سار نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتال. فأبدوا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم: { لو نعلم قتالا لاتبعنكم } غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه، من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم، قد حدث، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة انخزل عنهم عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس، فقال أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حزام أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال.

فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم! ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وقيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا } يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سار إلى عدوه من المشركين بأحد. وقوله: { لو نعلم قتالا لاتبعنكم } يقول: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال، فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم. يقول الله عز وجل: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمن } وليس في قلوبهم { والله أعلم بما يكتمون }: أي يخفون. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: يوم أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتح إن صبروا فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا، ولئن أطعتنا لترجعن معنا.. قال: فذكر الله أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول، وقول عبد الله بن جابر بن أبي عبد الله الأنصاري حين دعاهم، فقالوا: ما نعلم قتالا، ولئن أطعتمونا لترجعن معنا، فقال: { الذين قالوا لإخونهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال عكرمة : { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعنكم } قال: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول. قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد: { لو نعلم قتالا } قال: لو نعلم أنا واجدون معكم قتالا، لو نعلم مكان قتال لاتبعناكم. واختلفوا في تأويل قوله { أو ادفعوا } فقال بعضهم: معناه: أو كثروا، فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { أو ادفعوا } يقول: أو كثروا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { أو ادفعوا } قال: بكثرتكم العدو وإن لم يكن قتال. وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابطوا إن لم تقاتلوا.

Page inconnue