560

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر، مثله. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد، قال: الطاغوت: الشيطان. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال: الطاغوت: الشيطان. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: { فمن يكفر بالطغوت } قال: الشيطان. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، الطاغوت: الشيطان. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { فمن يكفر بالطغوت } بالشيطان. وقال آخرون: الطاغوت: هو الساحر. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن أبي العالية، أنه قال: الطاغوت: الساحر. وقد خولف عبد الأعلى في هذه الرواية، وأنا أذكر الخلاف بعد. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا عوف، عن محمد، قال: الطاغوت: الساحر. وقال آخرون: بل الطاغوت: هو الكاهن. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: الطاغوت: الكاهن. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع، قال: الطاغوت: الكاهن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { فمن يكفر بالطغوت } قال: كهان تنزل عليها شياطين يلقون على ألسنتهم وقلوبهم. أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها، فقال: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان. والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء. وأرى أن أصل الطاغوت: الطغووت، من قول القائل: طغا فلان يطغو: إذا عدا قدره فتجاوز حده، كالجبروت من التجبر، والخلبوت من الخلب، ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه أعني لام الطغووت، فجعلت له عينا، وحولت عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل جذب وجبد وجابذ وجاذب وصاعقة وصاقعة، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال. فتأويل الكلام إذا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به { ويؤمن بالله } يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه.

كما: حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثنا ابن أبي مريم، عن حميد بن عقبة، عن أبي الدرداء: أنه عاد مريضا من جيرته فوجده في السوق وهو يغرغر لا يفقهون ما يريد، فسألهم: يريد أن ينطق؟ قالوا: نعم يريد أن يقول: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت. قال أبو الدرداء: وما علمكم بذلك؟ قالوا: لم يزل يرددها حتى انكسر لسانه، فنحن نعلم أنه إنما يريد أن ينطق بها. فقال أبو الدرداء: أفلح صاحبكم، إن الله يقول: { فمن يكفر بالطغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم }.القول في تأويل قوله فقد استمسك بالعروة الوثقى والعروة في هذا المكان مثل للايمان الذي اعتصم به المؤمن فشبهه في تعلقه به وتمسكه به بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها إذا كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله، من أوثق عرى الأشياء بقوله { الوثقى } والوثقى فعل من الوثاقة يقال في الذكر هو الأوثق وفي الانثى هي الوثقى كما يقال فلان الأفضل وفلانة الفضلى. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله { بالعروة الوثقى } قال الايمان.حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.حدثني موسى قال حدثنا عمرو قال ثنا أسباط عن السدى قال العروة الوثقى هو الإسلام.حدثناأحمد بن إسحاق قال ثنا أبو أحمد قال ثنا سفيان عن أبي السوداء عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قوله { فقد استمسك بالعروة الوثقى } قال: لا إله إلا الله ثنا ابن بشار، قال ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن سعيد بن جبير مثله.حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك { فقد استمسك بالعروة الوثقى } مثله. القول في تأويل قوله لا انفصام لها يعني تعالى ذكره بقوله { لا انفصام لها } لا انكسار لها، والهاء والألف في قوله لها عائدة على العروة. ومعنى الكلام فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة كالتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها، وأصل الفصم: الكسر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:

ومبسمها عن شتيت

النبات غير أكس ولا متفضم

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك. حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله { لا انفصام لها } قال: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيقة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.حدثني موسى بن هارون قال: ثنا عمرو قال: ثنا أسباط عن السدى { لا انفصام لها } قال لا انقطاع لها. القول في تأويل قوله والله سميع عليم. يعني تعالى ذكره والله سميع إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت عند اقراره بوحدانية الله وتبرئة من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، عليم بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه، وما انطوى عليه من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه لا ينكتم عنه سر ولا يخفى عليه أمر حتى يجازى كلا يوم القيامة بما نطق به لسانه وأضمرته نفسه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.

[2.257]

القول في تأويل قوله : { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } يعني تعالى ذكره بقوله { الله ولي الذين آمنوا } نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه، { يخرجهم من الظلمات } يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وإنما عني بالظلمات في هذا الموضع: الكفر، وإنما جعل الظلمات للكفر مثلا، لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان، والعلم بصحته وصحة أسبابه، فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر أبصار القلوب. ثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به، فقال: { والذين كفروا } يعني الجاحدين وحدانيته أولياؤهم يعني نصراؤهم وظهراؤهم الذين يتولونهم الطاغوت، يعني الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } يعني بالنور: والإيمان على نحو ما بينا إلى الظلمات، ويعنى بالظلمات: ظلمات الكفر وشكوكه، الحائلة دون أبصار القلوب، ورؤية ضياء الإيمان، وحقائق أدلته وسبله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } يقول: من الضلالة إلى الهدى { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } الشيطان { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } يقول: من الهدى إلى الضلالة.حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } يخرجونهم من الإيمان إلى الكفر. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله تعالى ذكره { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } يقول: من الكفر إلى الإيمان { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } يقول: من الإيمان إلى الكفر.حدثنا ابن حميد، قال ثنا جرير، عن منصور، عن عبد الله بن أبي لبابة، عن مجاهد أو مقسم في قول الله { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } قال: كان قوم آمنوا بعيسى، وقوم كفروا به فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر به الذين آمنوا بعيسى، أي يخرج الذين آمنوا إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت امنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال: يخرجونهم من النور إلى الظلمات.

حدثنا المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورا، عن رجل، عن عبدة بن أبي لبابة قال في هذه الآية { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } إلى { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى بن مريم، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، وأنزلت فيهم هذه الآية. وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد وعبدة بن أبي لبابة يدل على أن الآية معناها الخصوص، وأنها إن كان الأمر كما وصفنا نزلت فيمن كفر من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وفيمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، من عبدة الأوثان الذين لم يكونوا مقرين بنبوة عيسى وسائر الملل التي كان أهلها تكذب بعيسى. فإن قال قائل: أو كانت النصارى على حق قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فكذبوا به؟ قيل: من كان منهم على ملة عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فكان على حق وإياهم عنى الله تعالى ذكره بقوله:

يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله

[النساء: 136]. فإن قال قائل: فهل يحتمل أن يكون قوله: { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجهم من النور إلى الظلمات } أن يكون معنيا به غير الذين ذكر مجاهد وغيره أنهم عنوا به من المؤمنين بعيسى أو غير أهل الردة والاسلام؟ قيل: نعم يحتمل أن يكون معنى ذلك: والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يحولون بينهم وبين الإيمان، ويضلونهم فيكفرون، فيكون تضليلهم إياهم حتى يكفروا إخراجا منهم لهم من الإيمان يعني صدهم إياهم عنه وحرمانهم إياهم خيره، وإن لم يكونوا كانوا فيه قبل كقول الرجل: أخرجني والدي من ميراثه: إذا ملك ذلك في حياته غيره، فحرمه منه خطيئة، ولم يملك ذلك القائل هذا الميراث قط فيخرج منه، ولكنه لما حرمه، وحيل بينه وبين ما كان يكون له لو لم يحرمه، قيل: أخرجه منه، وكقول القائل: أخرجني فلان من كتيبته، يعني لم يجعلني من أهلها، ولم يكن فيها قط قبل ذلك، فكذلك قوله: { يخرجهم من النور إلى الظلمات } يحتمل أن يكون إخراجهم إياهم من الإيمان إلى الكفر على هذا المعنى، وإن كان الذي قاله مجاهد وغيره أشبه بتأويل الآية. فإن قال لنا قائل: وكيف قال: { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجهم من النور إلى الظلمات } فجمع خبر الطاغوت بقوله يخرجونهم، والطاغوت واحد. قيل: ان الطاغوت اسم لجماع وواحد وقد يجمع طواغيت، وإذا جعل واحده وجمعه بلفظ واحد كان نظير قولهم: رجل عدل، وقوم عدل، ورجل فطر، وقوم فطر، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تأتي موحدة في اللفظ واحدها وجمعها وكما قال العباس بن مرداس:

Page inconnue