Le Recueil des Explications des Versets du Coran
جامع البيان في تفسير القرآن
فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى، وقيل في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب، فأنزل الله جل وعز يعير أهل مكة: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } لا يحل، وما صنعتم أنتم يا مشعر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدا وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدا، أكبر من القتل عند الله، والفتنة هي الشرك أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: { وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل }.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: ثنا المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه أنه حدثه رجل، عن أبي السوار يحدثه، عن جندب بن عبد الله. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطا، فبعث عليهم أبا عبيدة فلما أخذ لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا، ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك. فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعا وطاعة لأمر الله ورسوله. فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب. فرجع رجلان ومضى بقيتهم. فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا ذلك اليوم أمن رجب أو من جمادى؟ فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث، فأنزل الله عز وجل: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل } والفتنة: هي الشرك. وقال بعض الذين أظنه قال: كانوا في السرية: والله ما قتله إلا واحد، فقال: إن يكن خيرا فقد وليت، وإن يكن ذنبا فقد عملت. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } قال: إن رجلا من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمر بابن الحضرمي يحمل خمرا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله وكان بين قريش ومحمد عقد، فقتله في آخر يوم من جمادى الآخرة، وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام ولنا عهد؟ فأنزل الله جل وعز: { قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به و صد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله } من قتل ابن الحضرمي، والفتنة كفر بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وعثمان الجزري، عن مقسم مولى ابن عباس، قال: لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه من جمادى فقتله، وهو أول قتيل من المشركين، فعير المشركون المسلمين فقالوا: أتقتلون في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام } يقول: وصد عن سبيل الله، وكفر بالله والمسجد الحرام، وصد عن المسجد الحرام { وإخراج أهله منه أكبر عند الله } من قتل عمرو بن الحضرمي والفتنة: يقول: الشرك الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضا.
قال الزهري: وكان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحل بعد. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله جل وعز: { وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله } من القتل فيه وإن محمدا بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب وإن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم واحد. وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله جل وعز: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وغير ذلك أكبر منه صد عن سبيل الله، وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب محمد والشرك بالله أشد. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن أبي مالك، قال: لما نزلت: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } إلى قوله: { والفتنة أكبر من القتل } استكبروه، فقال: والفتنة: الشرك الذي أنتم عليه مقيمون أكبر مما استكبرتم. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في جيش، فلقي ناسا من المشركين ببطن نخلة، والمسلمون يحسبون أنه آخر يوم من جمادى، وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابن الحضرمي، فقال المشركون: ألستم تزعمون أنكم تحرمون الشهر الحرام والبلد الحرام؟ وقد قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } إلى قوله: { أكبر عند الله } من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي والفتنة التي أنتم عليها مقيمون، يعني الشرك أكبر من القتل.
حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال: وكان يسميها، يقول: لقي واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي ببطن نخلة فقتله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء قوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } فيمن نزلت؟ قال: لا أدري، قال ابن جريج: قال عكرمة ومجاهد: في عمرو بن الحضرمي، قال ابن جريج: وأخبرنا ابن أبي حسين عن الزهري ذلك أيضا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: { قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام } قال يقول: صد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه، فكل هذا أكبر من قتل ابن الحضرمي، والفتنة أكبر من القتل كفر بالله وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فعير المشركون المسلمين بذلك، فقال الله: قتال في الشهر الحرام كبير، وأكبر من ذلك صد عن سبيل الله وكفر به، وإخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام. وهذان الخبران اللذان ذكرناهما عن مجاهد والضحاك، ينبئان عن صحة ما قلنا في رفع «الصد» به، وأن رافعه «أكبر عند الله»، وهما يؤكدان صحة ما روينا في ذلك عن ابن عباس، ويدلان على خطأ من زعم أنه مرفوع على العطف على الكبير. وقول من زعم أن معناه: وكبير صد عن سبيل الله، وزعم أن قوله: «وإخراج أهله منه أكبر عند الله» خبر منقطع عما قبله مبتدأ. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي في قوله: { والفتنة أكبر من القتل } قال: يعني به الكفر. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وإخراج أهله منه أكبر عند الله } من ذلك. ثم عير المشركين بأعمالهم أعمال السوء فقال: { والفتنة أكبر من القتل } أي الشرك بالله أكبر من القتل. وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك روي عن ابن عباس. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، أرسل المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيرونه بذلك، فقال: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وغير ذلك أكبر منه: صد عن سبيل الله، وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر من الذي أصاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في الذي ارتفع به قوله: { وصد عن سبيل الله } فقال بعض نحويي الكوفيين في رفعه وجهان: أحدهما: أن يكون الصد مردودا على الكبير، يريد: قل القتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به، وإن شئت جعلت الصد كبيرا، يريد به: قل القتال فيه كبير، وكبير الصد عن سبيل الله والكفر به، قال: فأخطأ، يعني الفراء في كلا تأويليه، وذلك أنه إذا رفع الصد عطفا به على كبير، يصير تأويل الكلام: قل القتال في الشهر الحرام كبير، وصد عن سبيل الله، وكفر بالله. وذلك من التأويل خلاف ما عليه أهل الإسلام جميعا، لأنه لم يدع أحد أن الله تبارك وتعالى جعل القتال في الأشهر الحرم كفرا بالله، بل ذلك غير جائز أن يتوهم على عاقل يعقل ما يقول أن يقوله، وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة، والله جل ثناؤه يقول في أثر ذلك: { وإخراج أهله منه أكبر عند الله }؟ فلو كان الكلام على ما رآه جائزا في تأويله هذا، لوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام كان أعظم عند الله من الكفر به، وذلك أنه يقول في أثره: { وإخراج أهله منه أكبر عند الله } وفي قيام الحجة بأن لا شيء أعظم عند الله من الكفر به، ما يبين عن خطأ هذا القول. وأما إذا رفع الصد بمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر، وذلك رفعه بمعنى: وكبير صد عن سبيل الله، ثم قيل: وإخراج أهله منه أكبر عند الله، صار المعنى: إلى أن إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام أعظم عند الله من الكفر بالله، والصد عن سبيله، وعن المسجد الحرام، ومتأول ذلك كذلك داخل من الخطأ مثل الذي دخل فيه القائل القول الأول من تصييره بعض خلال الكفر أعظم عند الله من الكفر بعينه، وذلك مما لا يخيل على أحد خطؤه وفساده. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: القول الأول في رفع الصد، ويزعم أنه معطوف به على الكبير، ويجعل قوله: { وإخراج أهله } مرفوعا على الابتداء، وقد بينا فساد ذلك وخطأ تأويله. ثم اختلف أهل التأويل في قوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } هل هو منسوخ أم ثابت الحكم؟ فقال بعضهم: هو منسوخ بقول الله جل وعز:
وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة
[التوبة: 36] وبقوله:
فاقتلوا المشركين
[التوبة: 5]. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، قال: قال عطاء بن ميسرة: أحل القتال في الشهر الحرام في براءة قوله:
فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة
Page inconnue