443

Le Recueil des Explications des Versets du Coran

جامع البيان في تفسير القرآن

فأعلم عباده تعالى ذكره أن مرجع جميع ذلك إليه في موقف القيامة، فينصف كلا من كل، ويجازي حق الجزاء كلا، حيث لا ظلم ولا ممتنع من نفوذ حكمه عليه، وحيث يستوي الضعيف والقوي، والفقير والغني، ويضمحل الظلم وينزل سلطان العدل. وإنما أدخل جل وعز الألف واللام في الأمور لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل: يعجبني العسل، والبغل أقوى من الحمار، فيدخل فيه الألف واللام، لأنه لم يقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع.

[2.211]

يعني بذلك جل ثناؤه: سل يا محمد بني إسرائيل الذين لا ينتظرون بالإنابة إلى طاعتي، والتوبة إلي بالإقرار بنبوتك وتصديقك فيما جئتهم به من عندي، إلا أن آتيهم في ظلل من الغمام وملائكتي، فأفصل القضاء بينك وبين من آمن بك وصدقك بما أنزلت إليك من كتبي، وفرضت عليك وعليهم من شرائع ديني وبينهم كم جئتهم به من قبلك من آية وعلامة، على ما فرضت عليهم من فرائضي، فأمرتهم به من طاعتي، وتابعت عليهم من حججي على أيدي أنبيائي ورسلي من قبلك مؤيدة لهم على صدقهم بينة أنها من عندي، واضحة أنها من أدلتي على صدق نذري ورسلي فيما افترضت عليهم من تصديقهم وتصديقك، فكفروا حججي، وكذبوا رسلي، وغيروا نعمي قبلهم، وبدلوا عهدي ووصيتي إليهم. وأما الآية فقد بينت تأويلها فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية وهي ههنا. ما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } ما ذكر الله في القرآن وما لم يذكر، وهم اليهود. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } يقول: آتاهم الله آيات بينات: عصا موسى ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوهم وهم ينظرون، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. وذلك من آيات الله التي آتاها بني إسرائيل في آيات كثيرة غيرها، خالفوا معها أمر الله، فقتلوا أنبياء الله ورسله، وبدلوا عهده ووصيته إليهم، قال الله: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب }. وإنما أنبأ الله نبيه بهذه الآيات، فأمره بالصبر على من كذبه، واستكبر على ربه، وأخبره أن ذلك فعل من قبله من أسلاف الأمم قبلهم بأنبيائهم، مع مظاهرته عليهم الحجج، وأن من هو بين أظهرهم من اليهود إنما هم من بقايا من جرت عاداتهم ممن قص عليه قصصهم من بني إسرائيل. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب }. يعني بالنعم جل ثناؤه الإسلام وما فرض من شرائع دينه. ويعني بقوله: { ومن يبدل نعمة الله } ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإسلام من العمل والدخول فيه فيكفر به، فإنه معاقبه بما أوعد على الكفر به من العقوبة، والله شديد عقابه، أليم عذابه. فتأويل الآية إذا: يا أيها الذين آمنوا بالتوراة فصدقوا بها، ادخلوا في الإسلام جميعا، ودعوا الكفر، وما دعاكم إليه الشيطان من ضلالته، وقد جاءتكم البينات من عندي بمحمد، وما أظهرت على يديه لكم من الحجج والعبر، فلا تبدلوا عهدي إليكم فيه وفيما جاءكم به من عندي في كتابكم بأنه نبيي ورسولي، فإنه من يبدل ذلك منكم فيغيره فإني له معاقب بالأليم من العقوبة.

وبمثل الذي قلنا في قوله: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته } قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته } قال: يكفر بها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ومن يبدل نعمة الله } قال: يقول: من يبدلها كفرا. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته } يقول: ومن يكفر نعمته من بعد ما جاءته.

[2.212]

يعني جل ثناؤه بذلك: زين للذين كفروا حب الحياة الدنيا العاجلة في الذنب، فهم يبتغون فيها المكاثرة والمفاخرة، ويطلبون فيها الرياسات والمباهاة، ويستكبرون عن اتباعك يا محمد، والإقرار بما جئت به من عندي تعظما منهم على من صدقك واتبعك، ويسخرون بمن تبعك من أهل الإيمان، والتصديق بك، في تركهم المكاثرة، والمفاخرة بالدنيا وزينتها من الرياش والأموال، بطلب الرياسات وإقبالهم على طلبهم ما عندي برفض الدنيا وترك زينتها، والذين عملوا لي وأقبلوا على طاعتي ورفضوا لذات الدنيا وشهواتها، اتباعا لك، وطلبا لما عندي، واتقاء منهم بأداء فرائضي، وتجنب معاصي فوق الذين كفروا يوم القيامة بإدخال المتقين الجنة، وإدخال الذين كفروا النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة منهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } قال: الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها، ويسخرون من الذين آمنوا في طلبهم الآخرة. قال ابن جريج: لا أحسبه إلا عن عكرمة، قال: قالوا: لو كان محمد نبيا كما يقول، لاتبعه أشرافنا وساداتنا، والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } قال: فوقهم في الجنة. القول في تأويل قوله تعالى: { والله يرزق من يشاء بغير حساب }. ويعني بذلك: والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما من به عليهم من كرامته. فإن قال لنا قائل: وما في قوله: { يرزق من يشاء بغير حساب } من المدح؟ قيل: المعنى الذي فيه من المدح الخبر عن أنه غير خائف نفاد خزائنه، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها، إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم قدر العطاء الذي يخرج من ملكه إلى غيره لئلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، فربنا تبارك وتعالى غير خائف نفاد خزائنه، ولا انتقاص شيء من ملكه بعطائه ما يعطي عباده، فيحتاج إلى حساب ما يعطي، وإحصاء ما يبقي فذلك المعنى الذي في قوله: { والله يرزق من يشاء بغير حساب }.

[2.213]

اختلف أهل التأويل في معنى الأمة في هذا الموضع، وفي الناس الذين وصفهم الله بأنهم كانوا أمة واحدة فقال بعضهم: هم الذين كانوا بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، كلهم كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام بن منبه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا». حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { كان الناس أمة واحدة } قال: كانوا على الهدى جميعا، فاختلفوا { فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين } فكان أول نبي بعث نوح. فتأويل الأمة على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس الدين، كما قال النابغة الذبياني:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع

Page inconnue