1138

فإن توليتم عن أمري ونهي، فتوقعوا عقابي واحذروا سخطي

[5.93]

يقول تعالى ذكره للقوم الذين قالوا إذ أنزل الله تحريم الخمر بقوله:

إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه

كيف بمن هلك من إخواننا وهم يشربونها وبنا وقد كنا نشربها: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات } منكم حرج فيما شربوا من ذلك في الحال التي لم يكن الله تعالى حرمه عليهم، { إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } يقول: إذا ما اتقى الله الأحياء منهم، فخافوه وراقبوه في اجتنابهم ما حرم عليهم منه وصدقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهاهم، فأطاعوهما في ذلك كله. { وعملوا الصالحات } يقول: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربهم. { ثم اتقوا وآمنوا } يقول: ثم خافوا الله وراقبوه باجتنابهم محارمه بعد ذلك التكليف أيضا، فثبتوا على اتقاء الله في ذلك والإيمان به، ولم يغيروا ولم يبدلو. { ثم اتقوا وأحسنوا } يقول: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفهم الله إلى الإحسان. وذلك الإحسان هو العمل بما لم يفرضه عليهم من الأعمال، ولكنه نوافل تقربوا بها إلى ربهم طلب رضاه وهربا من عقابه. { والله يحب المحسنين } يقول: والله يحب المتقربين إليه بنوافل الأعمال التي يرضاها. فالاتقاء الأول: هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق وترك التبديل والتغيير والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان والتقرب بنوافل الأعمال. فإن قال قائل: ما الدليل على أن الاتقاء الثالث هو الاتقاء بالنوافل دون أن يكون ذلك بالفرائض؟ قيل: إنه تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الجناح عن شاربي الخمر التي شربوها قبل تحريمه إياها إذا هم اتقوا الله في شربها بعد تحريمها وصدقوا الله ورسوله في تحريمها وعملوا الصالحات من الفرائض. ولا وجه لتكرير ذلك، وقد مضى ذكره في آية واحدة. وبنحو الذي قلنا من أن هذه الآية نزلت فيما ذكرنا أنها نزلت فيه، جاءت الأخبار عن الصحابة والتابعين. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح }... الآية. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل بإسناده، نحوه. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثني عبد الكبير بن عبد المجيد، قال: أخبرنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبي دجانة، حتى مالت رءوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعنا مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال.

وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا فأصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلى المسجد، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ:

يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون

.. إلى قوله:

فهل أنتم منتهون

فقال رجل: يا رسول الله، فما منزلة من مات منا وهو يشربها؟ فأنزل الله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا }... الآية. فقال رجل لقتادة: سمعته من أنس بن مالك؟ قال: نعم، وقال رجل لأنس بن مالك: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، وحدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب ولا ندري ما الكذب. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما حرمت الخمر قالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا }... الآية. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: قال البراء: مات ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها، قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت هذه الآية: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات... } الآية. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: نزلت: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } فيمن قتل ببدر وأحد مع محمد صلى الله عليه وسلم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

Page inconnue