Le Recueil des Explications des Versets du Coran
جامع البيان في تفسير القرآن
قال: فلم يرد بالإنسان والكافر في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدى عن جنسه كما تقول العرب: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس، وكذلك قوله: { وكان الكافر } معناه: وكان الذين كفروا. قالوا: فأما إذا ثني الاسم، فلا يؤدى عن الجنس، ولا يؤدي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما. قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال: ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم. قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثني لا يؤدى في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما. قالوا: وغير محال: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس وما أكثر الدراهم في أيديهم لأن الواحد يؤدي عن الجميع. قالوا: ففي قول الله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى، ومع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع، ما ينبىء عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع: النعمة، وصحة قول من قال: إن يد الله هي له صفة. قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به العلماء وأهل التأويل. القول في تأويل قوله تعالى: { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا }. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفي أمور هؤلاء اليهود مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم، احتجاحا عليهم لصحة نبوتك، وقطعا لعذر قائل منهم أن يقول: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا، يعني بالطغيان: الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتمادي في ذلك.
{ وكفرا } يقول: ويزيدهم مع غلوهم في إنكار ذلك جحودهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته، بأن ينسبوه إلى البخل، ويقولوا: { يد الله مغلولة }. وإنما أعلم تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم أهل عتو وتمرد على ربهم، وأنهم لا يذعنون لحق وإن علموا صحته، ولكنهم يعاندونه يسلي بذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن الموجدة بهم في ذهابهم عن الله وتكذيبهم إياه. وقد بينت معنى الطغيان فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } حملهم حسد محمد صلى الله عليه وسلم والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبا عندهم. القول في تأويل قوله تعالى: { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة }. يعني تعالى ذكره بقوله: { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } بين اليهود والنصارى. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } اليهود والنصارى. فإن قال قائل: وكيف قيل: { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } جعلت الهاء والميم في قوله { بينهم } كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟ قيل: قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله:
لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض
جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين وفي بعض عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله: { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } ، ثم قصد بقوله: { ألقينا بينهم } الخبر عن القريقين. القول في تأويل قوله تعالى: { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله }. يقول تعالى ذكره: كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى فأرادوا مناهضة من ناوأهم، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وخبث نياتهم. كالذي: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله:
لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم
قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوا، فاستباحوا الديار واستنكحوا النساء واستعبدوا الولدان وخربوا المسجد. فغبروا زمانا، ثم بعث الله فيهم نبيا، وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان. ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بختنصر، قتل من قتل منهم وسبى من سبى وخرب المسجد، فكان بختنصر للفساد الثاني.
قال: والفساد: المعصية. ثم قال:
فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة
.. إلى قوله:
وإن عدتم عدنا
Page inconnue