Le Recueil des Explications des Versets du Coran
جامع البيان في تفسير القرآن
[5.46]
يعني تعالى ذكره بقوله: { وقفينا على آثارهم } أتبعنا، يقول: أتبعنا عيسى ابن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا من قبلك يا محمد، فبعثناه نبيا مصدقا لكتابنا الذي أنزلناه إلى موسى من قبله أنه حق وأن العمل بما لم ينسخه الإنجيل منه فرض واجب. { وآتيناه الإنجيل } يقول: وأنزلنا إليه كتابنا الذي اسمه الإنجيل. { فيه هدى ونور } يقول: في الإنجيل هدى، وهو بيان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه، { ونور } يقول: وضياء من عمى الجهالة، { ومصدقا لما بين يديه } يقول: أوحينا إليه ذلك، وأنزلناه إليه بتصديق ما كان قبله من كتب الله التي كان أنزلها على كل أمة أنزل إلى نبيها كتاب للعمل بما أنزل إلى نبيهم في ذلك الكتاب من تحليل ما حلل وتحريم ما حرم. { وهدى وموعظة } يقول: أنزلنا الإنجيل إلى عيسى مصدقا للكتب التي قبله، وبيانا لحكم الله الذي ارتضاه لعباده المتقين في زمان عيسى وموعظة لهم، يقول: وزجرا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، وتنبيها لهم عليه. والمتقون: هم الذين خافوا الله وحذروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله، وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل فأغني ذلك عن إعادته.
[5.47]
اختلفت القراء في قراءة قوله: { وليحكم أهل الإنجيل } فقرأ قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: { وليحكم } بتسكين اللام على وجه الأمر من الله لأهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكامه. وكأن من قرأ ذلك كذلك أراد: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه. فيكون في الكلام محذوف ترك استغناء بما ذكر عما حذف. وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: «وليحكم أهل الإنجيل» بكسر اللام من «ليحكم»، بمعنى: كي يحكم أهل الإنجيل. وكأن معنى من قرأ ذلك كذلك: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وكي يحكم أهله بما فيه من حكم الله. والذي يتراءى في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأي ذلك قرأ قارىء فمصيب فيه الصواب وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابا على نبي من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه، فللعمل بما فيه أنزله، وأمر بالعمل بما فيه أهله. فكذلك الإنجيل، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى، وأمر بالعمل به أهله. فسواء قرىء على وجه الأمر بتسكين اللام أو قرىء على وجه الخبر بكسرها لاتفاق معنييهما. وأما ما ذكر عن أبي بن كعب من قراءته ذلك: «وأن احكم» على وجه الأمر، فذلك مما لم يصح به النقل عنه، ولو صح أيضا لم يكن في ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه محظورة، إذ كان معناها صحيحا، وكان المتقدمون من أئمة القراء قد قرءوا بها. وإذ كان الأمر في ذلك ما بينا، فتأويل الكلام إذا قرىء بكسر اللام من «ليحكم»: وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل، فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين، وكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزلنا فيه فبدلوا حكمه، وخالفوا، فضلوا بخلافهم إياه، إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوا { فأولئك هم الفاسقون } يعني: الخارجين عن أمر الله فيه بن مريم الإنجيل، فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزلنا فيه، فلم يطيعونا في أمرنا إياهم بما أمرناهم به فيه، ولكنهم خالفوا أمرنا الذي أمرناهم به فيه هم الفاسقون. وكان ابن زيد يقول: الفاسقون في هذا الموضع وفي غيره: هم الكاذبون. حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قال: ومن لم يحكم من أهل الإنجيل أيضا بذلك، { فأولئك هم الفاسقون } قال: الكاذبون بهذا. قال: وقال ابن زيد: كل شيء في القرآن إلا قليلا «فاسق» فهو كاذب وقرأ قول الله:
يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ
قال: الفاسق ههنا: كاذب. وقد بينا معنى الفسق بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
[5.48]
وهذا خطاب من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى ذكره: { وأنزلنا إليك } يا محمد { الكتاب } ، وهو القرآن الذي أنزله عليه. ويعني بقوله: { بالحق }: بالصدق، ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله. { مصدقا لما بين يديه من الكتاب } يقول: أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التي أنزلها إلى أنبيائه. { ومهيمنا عليه } يقول: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد مصدقا للكتب قبله، وشهيدا عليها أنها حق من عند الله، أمينا عليها، حافظا لها. وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن!. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. إلا أنهم اختلفت عباراتهم عنه، فقال بعضهم: معناه: شهيدا. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { ومهيمنا عليه } يقول: شهيدا. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ومهيمنا عليه } قال: شهيدا عليه. حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب } يقول: الكتب التي خلت قبله، { ومهيمنا عليه }: أمينا وشاهدا على الكتب التي خلت قبله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: { ومهيمنا عليه }: مؤتمنا على القرآن وشاهدا ومصدقا. وقال ابن جريج وآخرون: القرآن أمين على الكتب فيما إذ أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا. وقال بعضهم: معناه: أمين عليه. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا هناد بن السري، قال: ثنا وكيع جميعا، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: { ومهيمنا عليه } قال: مؤتمنا عليه. حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: { ومهيمنا عليه } قال: مؤتمنا عليه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق بإسناده، عن ابن عباس، مثله. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو،عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { ومهيمنا عليه } قال: والمهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله. حدثني محمد بن سعد،قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب } وهو القرآن، شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقا لهما. { ومهيمنا عليه } يعني: أمينا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: { ومهيمنا عليه } قال: مؤتمنا عليه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن زهير ، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس: { ومهيمنا عليه } قال: مؤتمنا عليه. حدثني المثنى، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير: { ومهيمنا عليه } قال: مؤتمنا على ما قبله من الكتب. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسين، عن قوله: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } قال: مصدقا لهذه الكتب وأمينا عليها. وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع، فقال: مؤتمنا عليه. وقال آخرون: معنى المهيمن المصدق. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ومهيمنا عليه } قال: مصدقا عليه. كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك، وكل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق. وقال آخرون: عنى بقوله: { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } نبي الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ومهيمنا عليه } محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمن على القرآن. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ومهيمنا عليه } قال: محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمن على القرآن. فتأويل الكلام على ما تأوله مجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدقا الكتب قبله إليك، مهيمنا عليه. فيكون قوله «مصدقا» حالا من الكتاب وبعضا منه، ويكون التصديق من صفة الكتاب، والمهيمن حالا من الكاف التي في «إليك»، وهي كناية عن ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، والهاء في قوله: { عليه } عائدة على الكتاب.
وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدق صفة له، ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد لقيل: وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه لأنه متقدم من صفة الكاف التي في «إليك»، وليس بعدها شيء يكون مهيمنا عليه عطفا عليه، وإنما عطف به على المصدق، لأنه من صفة «الكتاب» الذي من صفته «المصدق». فإن ظن ظان أن المصدق على قول مجاهد وتأويله هذا من صفة الكاف التي في «إليك»، فإن قوله: { لما بين يديه من الكتاب } يبطل أن يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون المصدق من صفة الكاف التي في «إليك»، لأن الهاء في قوله: { بين يديه } كناية اسم غير المخاطب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قوله «إليك»، ولو كان المصدق من صفة الكاف لكان الكلام: وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديك من الكتاب ومهيمنا عليه، فيكون معنى الكلام حينئذ كذلك. القول في تأويل قوله تعالى: { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق }. وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهل الملل، بكتابه الذي أنزله إليه، وهو القرآن الذي خصه بشريعته. يقول تعالى ذكره: احكم يا محمد بين أهل الكتاب والمشركين بما أنزل إليك من كتابي وأحكامي، في كل ما احتمكوا فيه إليك من الحدود والجروح والقود والنفوس، فارجم الزاني المحصن، واقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة ظلما، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف، فإن أنزلت إليك القرآن مصدقا في ذلك ما بين يديه من الكتب، ومهيمنا عليه، رقيبا يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبله. ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين يقولون: إن أوتيتم الجلد في الزاني المحصن دون الرجم، وقتل الوضيع بالشريف إذا قتله، وترك قتل الشريف بالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا عن الذي جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذي أنزله إليك. يقول له: اعمل بكتابي الذي أنزلته إليك إذا احتكموا إليك، فاختر الحكم عليهم، ولا تتركن العمل بذلك اتباعا منك أهواءهم وإيثارا لها على الحق الذي أنزلته إليك في كتابي. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { فاحكم بينهم بما أنزل الله } يقول: بحدود الله، { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق }.
Page inconnue