Ismail Asim dans le cortège de la vie et de la littérature
إسماعيل عاصم في موكب الحياة والأدب
Genres
واعلم يا هدهد أني سأنبيك بأسباب سعادة كل أمة وكل مملكة وجدت على الأرض من عهد سيدنا سليمان، وداعية شقائها وانحلالها، مستطردا في ذلك لبيان جميع العلوم والصنائع التي امتازت بها الأمم وارتفعت بها إلى أوج الفلاح، ولا أبخل عليك ببيان حكمة كل علم منها وافتقار السياسة إليها. ثم أقص عليك من أنباء فضل الرجال الذين أقاموا عمد الدنيا والدين، وما جاءوا به من السياسة والكياسة وغير ذلك مما يفتقر إليه كل رئيس ومرءوس.
ثم التفت ذات اليمين وذات الشمال، وقال: يا هدهد، إني أسمع رفرفة أجنحة طائر في الجو الأعلى. فارتقبناه فإذا هو صاحبي عصفور الأدوار قد انقض علينا وقت القيظ، وقلبه يكاد يتميز من الغيظ، وريثما وصل إلينا سلم سلام الأحباب، وقابلناه بالتحية والترحاب. ثم جلس على الذنب، وقد أخذ منه الغضب، وابتدر المقال، فقال: متى يستقيم الظل والعود أعوج؟! ومتى يحسن السباق والسابق أعرج؟! وكيف يتثبت الفكر والطبع أهوج؟! أم كيف يثبت الرأي والحال أزعج؟! وأين تنبث أشعة الحكم المنبعثة من شموس الأفكار، وقد أعمى الجهل البصائر والأبصار؟! وعلام تشرق أنوار النصائح، وغشاوات الحسد على العيون نواضح؟!
لا سودد يا بني الدنيا مع الحسد
والحقد يأتي على الأصلح بالكسد
والناس مادامت البغضاء قائمة
بنفسهم حسدا ضلوا عن الرشد
وللزمان انقلابات تؤثر في
أماكن القوم من ضنك ومن رغد
ألم أنبئك يا هدهد بأن أول ما وجد من المصائب في الدنيا هو مصيبة الحسد؟! ألم تعلم بأنه ما وجد على الأرض من المهالك وخراب الممالك إلا كان أعظم أسبابه الحسد والجهل؟! أتظن نفسك يا هدهد غير محسود على هذه الساعة الواحدة التي جمعت بينك وبين آصف بن برخيا بعد طول افتراقكما؟! فأنصحكما أن تلزما شأنكما، ولا تتعبا الفكر في شأن النوع الإنساني فإنه قليل الوفا، إلا الذين تهذبت طباعهم، واعتدلت بالحق أوضاعهم، وقليل ما هم.
فقلت له: إننا الآن في واد أقفر، ومكان أشعث أغبر، لا إنس ولا جن فيه، ولا طير ولا وحش يأويه، ولم نجتمع به على أحد. فمن أين وعلام يأتي لنا الحسد؟! فهز العصفور رأسه، وقال: لعلك نسيت أنه يوجد تحت قدميك من هوام الأرض وحشراتها ما لا يأتي تحت حصر وعدد، وهل يغرب عن فكرك أنها ترميكما بسهام الحسد .
Page inconnue