Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما ثانيا: فلأن الإلهام يضيع إذا كان الإنسان بهذه المثابة التي يزعمها المعترض وسائر المجبرة لايقال أن معنى هذا الإلهام على ما دل عليه الحديث المذكور هو خلق الله تعالى للفجور والتقوى في الإنسان، ولذا كان ذلك مصداقا لثبوت [510]القضاء السابق، وبطلان تأثير الكدح وانتفا الحجة، لأنا نقول: لا يخفى على أحد بطلان هذا مع أنه هو الذي يقتضيه كلام المعترض هنا في مواضع، وإنما قلنا: أن بطلانه غير خاف؛ لأنهه عدول عن الأصل والحقيقة في الإلهام لا دليل غلا الأوهام، ولأن الله تعالى في هذه الآية قد بين ما هو الذي خلقه سبحانه وتعالى وما هو الذي جعله الإنسان إذ قال تعالى: {وما سواها} فبين بهذا ما هو الذي خلقه، وهي النفس التي سواها، وقال: {فألهمها فجورها وتقواها} فبين بهذا ما هو الذي مجعله من قبل الإنسان هو فجوره وتقواه، ولو كان فجوره وتقواه من الله، وبخلقه وإيجاده تعالى لقال ونفس وما سواها، وسوى فجورها وتقواها، ولقال وخلق فجورها وتقواها، فظهر بهذا أن هذه الآية لاتصح أن يكون مصداقا لما يقوله العدلية من أن القضاء والقدر السابق لا ينافي أن يكون العبد فاعلا لآفعاله مؤثرا فيها بقدرته واختياره، وأن الله تعالى قد أقام عليه الحجة وألهمه الفجور والتقوى، وتحسن هذا وقبح هذا، وعلم ما هو الذي يختاره منهما، فلا منافاة بين كونه تعالى عالما بالأشياء ومقدرا لها في علمه، وبين كون العبد قادرا فاعلا مختارا، فإن تمت دلالة هذا الحديث على هذا وإلا وجب تأويله، أورده لئلا يخالف القواطع من العقل والنقل، كما أشرنا إليه أولا والله أعلم.
الثاني: أن أبا الأسود الدؤلي ........ممن ذكروا عنه القدر بزعمهم وهو العدل والتوحيد، والقول بمثل مذهبنا، ونسبه إلى ذلك غير واحد من المجبرة المتكلمين في رجال الحديث والأثر، فكيف الحلكم بصحة هذه الرواية نه؟ ومسارعته إلى الجواب على عمران بن الحصين بقوله: بل شيء قضى عليهم ومضى ...إلخ، ويحيى بن يعمر تلميذ أبي الأسود، وكان على طريقته متظاهرا بالتشيع حدا، وقصته مع الحجاج بن يوسف في ذلك مشهورة مذكورة في تأريخ بن خلكان وغيره.
والثالث: أن إسحاق المذكور هو الذي روى عن بن المبارك أنه قال: ((رأس المنارة أقرب إلى الله تعالى من أسفلها))، رواه عنه الدارمي في كتابه الرد على الجهمية.
Page 1081