903

وأما ثانيا: فلأنهم مصرحون كما سيأتي أن الإرادة تتعلق لذاتها، وذلك إعلان منهم بأنه لا اختيار للباري تعالى في تعلقاتها الأزلية، وإذا ارتفع الإختيار لم يبق لقوله وكان يمكن في الأزل....إلخ، وجه صحة [483]أصلا، هذا ولئن سلمنا ما اخترعوه من معنى الإختيار فكما أنه لاينفعهم في لزوم انتفاء اختياره تعالى بمعناه الحقيقي، كذلك لا يضرنا لأنا نقول أن إرادة العبد وإن كانت في نفسها حادثة فقد أراد منه تعالى أن يكون مختارا، فاختيار العبد من جملة ما تعلقت به إرادة الباري عزوجل، فإذا كانت أفعاله اختيارية بذلك المعنى فكذلك أفعال العبد إذ يقال كان يمكن في الأزل أن تتعلق إرادة الله تعالى بترك العبد باختياره بدلا عن فعله باختياره، وما كان جوابكم فهو بعينه جوابنا، فقد ظهر أن هذا الذي ........له لايصح على مذهبهم، كما لايصح إلزاميا للمعتزلة؛ لأنهم بين قائل بحدوث إرادة الباري تعالى وأنها من صفات الأفعال، وقائل بأن معنى إرادته لأفعاله هو أنه فعلها وهو غير ساه ولا مكره، ولأفعال غيره هو أنه أمر بها بعضهم على إرجاع الإرادة إلى العلم بالمصلحة، وعلى هذا فبطلان قوله وكان يمكن في الأزل ظاهر، ثم إنك إن حققت النظر وجدت قوله حال إرادة الشيء لا بعدها مضمحلا بل متناقضا في نفسه؛ لأنه لا معنى لإثبات الحال بدون الزمان؛ لكن لا زمان في الأزل كما هو مقتضى قوله إذ لا قبل للأزل، وبالجملة فانتفاء القبلية والبعدية الزمانية في الأزل هو بعينه انتفاء الحالية الزمانية، ولايصح أن يكون المراد هي الحالية الذاتية على ما هو مذهب الفلاسفة، فإذا قد تناقض الكلام، وأيضا فإنا نردد إمكان تعلق الإرادة بالترك حال إرادة الفعل مع إرادة الفعل أو مع عدمها إن كان الأول فلا تمكن بل هو راجع لها حالا، وثبوت حال الشيء فرع ثبوت الشيء في نفسه فليتدبر.

Page 1025