Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
خامسها: أن سعد الدين قد صرح في شرحه للسفينة بأن الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في أفعال العباد إنما هو في الحاصل بالمصدر لا في نفس المصدر الذي هو من الأمور الأعتبارية، وسيأتي إن شاء الله نقل كلامه، وهذا يشعر بأن المطلوب هو وجود الفعل وحدوثه، فليفهم وجه إشعاره بذلك على أن كثيرا مما هوحاصل بالمصدر خارج عن محل القدرة، وكلما كان كذلك فلا يتعلق به الكسب عند الأشاعرة ومن يحذوا حذوهم [415] كما مر، وكلما كان كذلك فلا يصح أن يكون المطلوب فيه هو الكسب إتفاقا، فالمطلوب فيه هو وجود الفعل وحدوثه، ثم أن قول سعد الدين أن الخلاف في الحاصل بالمصدور يشعر بأنهم يقولون بأنه من أفعالنا وقد يكون الحاصل بالمصدر خارجا عن محل القدرة، فالقول بأنه من أفعال العباد يستلزم أنه حاصل بتحصيلهم؛ لأنه باكتسابهم؛ لأنه لا دخل للكسب في الخارج عن محل القدرة باعتراف سعد الدين وسائر الأشاعرة فتدبر هذا، وقد صرح في شرح المواقف بنسبة إيجاد أفعالنا إلينا، كما ذكره في تقرير مذهب النظام، والعلافن وجعفر بن حرب، وطائفة من المعتزلة البصرية، في قولهم إيجاد الإرادة للمراد، وسيأتي نقله في الكلام على ماحكاه المعترض عن الدواني.
سادسها: أن إمام الحرمين، والغزالي، والنووي، والسبكي، وابنه، والقاضي زكريا، وغيرهم قد صرحوا في أصول الفقه ايضا بأن الأمر بشيء معين ليس نهيا عن ضده.
قالوا: لجواز أن لا يخطر الضد ببال حال الأمر، وهذا مبني على أن المطلوب هو وجود الفعل وحدوثه لا كونه طاعة مثلا، كيف وقد مثلوا ذلك بالأمر بالقيام، فإنه ليس نهيا عن القعود، ولو كان كلامهم مبنيا على أن المطلوب هو كون وجود الفعل وحدوثه طاعة كما زعمه الشهرستاني لم يصح قولهم لجواز أن لا يخطر الضد ببال.
أما أولا: فلأن .........لايكون بين أمرين: وجود بين كما سيجيء إن شاء الله تعالى، وكون الفعل طاعة أمر اعتباري عدمي كما بيناه آنفا، فلا يكون ضد.
وأما ثانيا: فلأنه لو كان المطلوب هو كون الفعل طاعة لم يعقل القول بأنه يجوز أن لا يخطر كونه معصية ببال، بل لا يبقى للكلام معنى.
ثم نقول: كيف يصح حينئذ تشيلهم بالقيام والقعود؟ فإنه على ما ذكره الشهرستاني غير صحيح، إذ ليس المأمور به هو نفس القيام، بل هو كونه طاعة.
Page 890