692

وأما قوله: فقد اتصف الكذب بغاية الحسن، فكلام كذب في غاية القبح، ومع ذلك قد اشتمل على تكذيب المعترض وأمثاله، حيث يقولون: نحن نسلم نقص الكذب وامتناعه على الله تعالى، وعلى رسوله عليهم الصلاة والسلام، فإذا كان هذا كلامهم في نفي قبح الكذب وجوازه بل حسنه، بل اتصافه بغاية الحسن، فليت شعري ما الكذب الذي اعترفوا بأنه نقص، وهل هو جنس آخر غير الذي اتصف بغاية الحسن كما قالوا وهو منه هذا الجنس بعينه، فلما لا يجوز من الباري وهو الذي له الحكم ولا معقب لحكمه، و{لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} كما يجادلون بأمثال هذه الآيات من قبيل كلمة حق يراد بها باطل، يجادلون في الحق بعد ما تبين لهم فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل، سيعلمون غدا من الكذاب الأشر، وقد نبهناك على صنيهم فيما سبق، وسنزيده تأكيدا فيما يلحق.

وأما قوله: وإلا لما زال، وكذا الحسن وإلا لما عرض الكذب بعد أن لم يكن، فلا أدري ما محصله وما يروم به، وقد اختبط في معنى الذاتي، وكلامه هذا ينبئ على أنه قد ظن أن الكذب ليس وصفا للكلام يحصل ويزول، إنما هو كالجوهرية والعرضية في الجوهر والعرض فما هذه الغفلة، وماذا الذي تثمر له هذه العبارات النازحة عن الانصاف بالجملة، فإن الكلام نفسه الذي هو موصوف الكذب يعرض بعد إن لم يكن فضلا عن وصفه الذي هو الصدق والكذب، وكذلك سائر الأشياء، ومع ذلك فقد عرفت أن قوله: وإلا لما زال، باطل فإن الكذب ما زال كما بيناه في مستدان المنع، لكن الرجل لا يبالي على أي جنبيه وقع، وليس في يديه من هذه المباحث والمباني إلا الأوهام والأماني، فقوله: فظهر أنهما ليس عقليين من جملة أمانيه وأوهامه الفاسدة، ولا يرجع فسادها إلا عليه إذ لا يخفى على أحد أن هذا القول بأنهما ليس عقليين وأنهما شرعيان لا يتم له معه جزم بصحة الشريعة كما مر، ولا يتم له تنزيه الباري تعالى عن الكذب في الكلام اللفظي وإلا لزم أن بعض أفعاله داخلة تحت الحد الشرعي، ومن أجل هذا قال إمام الحرمين: إنه لا يستقيم تنزيه الرب جل جلاله عن الكذب لا على مذهب المعتزلة، وقال صاحب تلخيص المحصل مثل ذلك.

Page 778