Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما كونه متناقضا في نفسه؛ فلأن قوله: لأن الأفعال عندهم كلها سواء اعتراف بأن مطلق الأفعال مستوية في أنفسها، ولا صفة لشيء منها بها يتمييز عن غيره، وهذا مناد بأن النزاع فيما هو أعم من متعلق الثواب والعقاب؛ لأن استوى الأفعال كلها جاد حيث لا ثواب ولا عقاب كما في أفعال الله تعالى، ولهذا لم يقبح منه عند الأشاعرة، سبحانه تعالى أن يعكس الشرائع كما صرح به المعترض، فالكلام ينقض آخره أوله، ويهدم مفصله مجمله، فيا أيها المتعصبون مالكم كيف تحكمون، أفلا تذكرون وأنتم معترفون بأن تجويز القبيح على الله هو منعه مبنيتان على قاعدة الحسن والقبح، فإذا كان الثواب والعقاب من محل النزاع كما زعمتم هنا فكيف يكون ابتناء التجويز والمنع على هذه القاعدة، فطرحوا الجدال بالباطل، والمعاندة ولاحظوا محل النزاع إن كنتم تعقلون ولا تلغوا فيه لعكلم تغلبون، ثم نقول: لا خلاف بيننا وبينكم في أن الشرع فعل من أفعال الله الاختيارية كالقرآن الذي هو الكلام اللفظي المنتظم من الحروف عند الجمهور، فإذا كان من أفعاله تعالى اتفاقا فالعقل إنما وقع بخلقه وفعله تعالى اتفاقا أيضا، ومعلوم أن الله خلقه مميزا بين الحسن والقبح وغيرهما مائلا إلى الأول نافرا عن الثاني، فدلالته على حسن هذا وقبح هذا أقوى من دلالة الشرع؛ لأن دلالته وضعية ولذا كانت الأدلة النقلية غير مفيدة لليقين عند الجمهور منكم كما صرح به الرازي، والكاتبي، وعلي الكوشجي شارح التجريد وغيرهم من الأشاعرة، فلما جعلتم الشرع معتمدا في التحسين والتقبيح دون العقل مع اعترافكم بأنهم من الأفعال الاختيارية، واعترافكم بأن دلالة العقل قوية أقوى مما دلالته وضعية [337] كالشرع، واعترافكم بأنه لو بطل حكم العقل مطلقا لاستحال العلم بأنه تعالى موجود حي عالم، قادر إلى غير ذلك، بل يلزم أن يستحيل العلم بالشرعي فلا يصح التحسين والتقبيح شرعا ولا عقلا، واللازم باطل فالملزوم مثله، لا يقال إن اعتبارهم لتحسين الشرع وتقبيحه إنما كان عندهم هو الأولى والحقيق بالاعتماد؛ لأن هذا الكلام اللفظي المذكورعبارات دالة على النفس بالقرينة فما كان التحسين والتقبيح مستندا إلى الشرع عندهم من حيث كونه فعلا من الأفعال الاختيارية، وإلا للزم مثل ذلك في العقل، بل من الحقيقة المذكورة؛ لأنا نقول: إنما دل اللفظي على النفسي عندهم من حيث أنهم وجودوا الأمر من اللفظي في الشاهد يستلزم الطلب النفسي والاقتضاء الواجدان كما سيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى مع أن الأشعري يقول: أنه إنما يدل عليه بالقرينة كما مر، ويسأتي، والعقل عندنا لهذه المنزلة فإنه إذا حكم بحسن شيء دلنا بحسنه على أن الله يريده، وإذا قبح شيئا دلنا ذلك على أنه تعالى لا يريده بل يكرهه، والحاصل أنهم كلما جعلوا الأمر اللفظي دليلا على الطلب النفسي بالقرنية مثلا جعلناه نحن دليلا على الإرادة، بل نقول: إن الذي سموه بالكلام النفسي هو الذي نسميه نحن بالإرادة، لكنا لا نقول: إنها معنى قائم به تعالى لامتناع ذلك كما سيأتي.
Page 723