Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
قال اللقاني ما نصه: ثم القائلون بالجوهرية والغرضية اختلقوا على أقوال شتى أعلاها قولان فمما قاله أصحاب الغرض هو ملكه في النفس ...للعلوم والإدراكات، ومما قاله أصحاب الجوهر هو جوهر لطيف تدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة خلقه الله تعالى في الدماغ وجعل نوره في القلب، انتهى، وبه تزداد يقينا فيما ذكرناه سابقا من أنه لا قابل بجوهريته إلا من قال: أنه هو النفس الناطقة ممن يقول بأنها جوهر حسي أو جسماني كما أنه لا قائل بأن محله الدماغ إلا من قال بجوهريته، إلا ن الفلاسفة ومن يجري مجراهم يطلقون الجوهر على ما هو أعم من المخير فمنه الجوهر المجرد عن المادة كالعقول العشرة والنفوس عند القائلين منهم بتجردها وقدمها، ومنه الجوهر المادي أي ما يسميه المتكلمون بالجوهر، فإن الفلاسفة والنظام لا يثبتون الجوهر الفرد، وينفون جزءا لا يتجزأ، وهي مسألة الخلاف بينهم وبين المتكلمين وعليها يبتني أكثر من أصول الفلاسفة كقدم الهيولي الأولى، لكن بين كلام الفلاسفة وكلام النظام فرقا ليس هذا موضع ذكره، ثم لا يخفاك أن اطلاق المشاهد هنا على المحسوس والغائب أيضا على المعقول؛ لأن اعتبار ما هو المتبادر من الشاهد والغائب، هذا والمؤلف رحمه الله تعالى ناقل عن بعض مشائخ شيوخ الإعتزال في هذا المقام وهم أعرف من المعترض بمذهب الفلاسفة كما اعترف هو فيما يأتي له إن شاء الله تعالى بأنهم أهل تدقيق أهو كما قال.
وقال الماوردي: إن الأطباء يقولون أن بين رأس المعدة والدماغ اشتراكا، انتهى، أي فلا يبعد أن يفسد العقل بفساد الدماغ لما بين المعدة والقلب، وما بين الدماغ والمعدة من الاشتراك والربط والاتصال، وذلك كاف في ضعف استدلالهم على أن محله الدماغ .
وحكي أيضا عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقد أورد بعض الأشاعرة قول الماوردي........على أن محله القلب، وأن الله أجرا العادة بأن الدماغ إذا فسد فسد العقل [317]، وبذلك يندفع قول الأطباء، وأبي حنيفة أن فساده بفساد الدماغ دليل على أنه هو محله وهو كلام لا بأس به، إلا أن التمسك بالعادة في كل مضيق سفسطة.
نعم اثبات المحل له لا يصح على مذهب من يقول بتجرد النفس، وإنها ليست جسما ولا جسمانيا أي حالا في جسم كما سبقت إشارة إلى ذلك، إنما يصح على مذهب قوم آخرين من المتفلسفين، والمؤلف رحمه الله تعالى جعل الجميع الفلاسفة لكونهم عنده على منهج واحد، ومنع ما قاله من قال منهم بذلك، وأورد سندا لمنعه غير بعيد عند الفلاسفة والمتكلمين.
Page 678