Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
واعلم أن العقاب المستحق عندنا على المخالفات العقلية أي مع قطع النظر عن السمع رأسا أعم أن يكون بعذاب أو بغيره وأن يكون دنيويا أو أخرويا، ولا شك في أن هذه الآية إنما تعرضت للإهلاك وهو ظاهر في الدنيوي وكذا جار الله ما تعرض لأكثر مما تعرضت له الآية في كلا التفسيرين وحينئذ فلا شبهة للمعترض في ذلك أصلا لأن الحكم على الدنيوي حكم على الأخص والحكم على الأخص ليس حكما على الأعم ولا مستلزمه اتفاقا، وعلى هذا لا يلزم من دلالة الآية على أن الإهلاك قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب ظلم أن يكون العقاب في الآخرة لمن استحقه بالمخالفات العقلية ظلما وإن فرضنا أنه تعالى لم يرسل رسولا ولم ينزل كتابا لأنا إذا قدرنا ذلك لم نجوزه إلا على تقدير أنهم تنبهوا من عند أنفسهم بما ركن الله تعالى في عقولهم التي هي الحجة وإلا لانتقض ما في القرآن من الاحتجاج بالعقول [621] في غير موضع بل الشرع بأسره على العقل بني وبه ثبت فلو لم يكن العقل حجة لم يكن الشرع حجة أيضا؛ لأن بطلان الأصل يستلزم بطلان الفرع فأين أنت يا أخا الأكراد، ثم إن القرآن الكريم قد نطق بأن نصب الأدلة العقلية يرفع الغفلة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} بعد قوله عز وجل: {ألست بربكم قالوا بلى} فإن معناها أن نصب أدلة التوحيد وغيرهما مما هو قائم مركوز في العقول كراهة أن يقول العباد {إنا كنا عن هذا غافلين} فإن فرضنا أن العقول لا تستقل بشيء من ذلك لبطل معنى هذه الآية واللازم باطل فكذا الملزوم، وقد مر نقل اعتراف سعد الدين بأن هذا المعنى وهو الذي ذهب إليه كثير من المفسرين لا أنه مما اختص به العدلية كصاحب الكشاف.
وقال الرازي في فوائد النعت من المحصل ما نصه: والعلماء قد ذكروا وجوها:
أحدها أن يقولوا إن الله جل ثناؤه إن كان خلقنا لنعبده فقد كان يجب أن يبين لنا العبادة التي يريدها منا أنها ما هي وكيف هي وكم هي، وإنه وإن أوجب أصل الطاعة في العقل لكن كيفيتها غير معلومة لنا، فبعث الله تعالى الرسل لقطع هذا العذر فإنهم إذ بينوا الشرائع المفصلة زالت أعذارهم.
Page 1307