Ouverture du Récitant sur Sahih al-Bukhari
افتتاح القاري لصحيح البخاري لابن ناصر الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
[و] صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
قال الشيخ الإمام الحافظ المتقن المتفنن أبو عبد الله محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي -مد الله في أجله وجعله بين العلماء علما وأطلق له بالإفادة لسانا وقلما-:
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، والآلاء والإنعام، المتفرد بالوحدانية على الدوام، المقتدر بالإلهية على الخاص والعام، الذي هدانا للإسلام، ومن علينا بنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، فأرسله رحمة شافية للأسقام، وابتعثه نعمة شاملة للأنام، وجعل منطقه فصلا بين الحلال والحرام، وإرشادا للأمة وإحكاما للأحكام، ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى يوحى من الملك العلام.
أحمده حمدا ينتهي إلى رضاه يزيد ولا يبيد، وأشكره شكرا يوجب لنا من نعمه المزيد، واستعينه استعانة من وفقه للسداد، واستهديه فهو الهادي للرشاد، واستغفره من كل ذنب حديث وقديم، وأعوذ به من شر نفسي وشر كل دابة هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا ضد ولا كفؤ ولا معين، ولا وزير {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.
Page 317
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي من اقتفى سنته لقي النجاح، ومن اقتدى طريقته وجد الفلاح، صلى الله عليه أرفع الصلوات وأزكاها، وأطيبها وأكثرها وأنماها، وجزاه عنا أفضل الجزاء والسلام عليه ورحمة الله وبركاته وعلى آله وصحبه أئمة الدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد.
فقد قال الله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة}.
ذكر علماء التفسير وغيرهم أن الحكمة هنا هي السنن المروية عن سيد الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم -.
قال الإمام أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي المروزي: حدثني محمد بن كثير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {الكتاب والحكمة} قال: الكتاب والسنة .
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه- فيما بلغنا عنه في تفسير هذه الآية الشريفة قال:
((فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة}.
قال: القرآن والسنة.
Page 318
وقال تعالى في وصف صاحب الحكمة والحكم ومن أوتي جوامع الكلم محمد - صلى الله عليه وسلم -: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى}.
صح من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:
((قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أمر، وسكت في ما أمر: {وما كان ربك نسيا}.
وفي بعض طرقه: ((قول النبي- صلى الله عليه وسلم - فيما أمر)).
وخرج الإمام الزاهد أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي -رحمه الله- في كتابه ((الحجة)) من طريق المعافى بن عمران، عن الأوزاعي، عن أبي عبيد، عن القاسم بن مخيمرة، عن ابن نضيلة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
((لا يسألني الله عز وجل عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني الله عز وجل)).
تابعه محمد بن كثير وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني وأيوب بن خالد عن الأوزاعي نحوه وفي الحديث قصة.
Page 319
رواه أبو بكر بن أبي علي فقال: أخبرنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا أحمد بن هارون حدثنا سليمان بن سيف حدثنا أيوب عن خالد [حدثنا] الأوزاعي حدثني أبو عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك [حدثنا] القاسم بن مخيمرة حدثني طلحة بن نضيلة قال: قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سعر لنا يا رسول الله، فقال:
((لا يسألني الله عز وجل عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني بها ولكن سلوا الله من فضله)).
أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه تابعي من ثقات الشاميين مختلف في اسمه فقيل: حيي سماه مسلم في كتابه ((الكنى)) وصدر به البخاري في ((تاريخه الكبير)) وقال: ((سماه أي هكذا عبد الله بن أبي الأسود)).
ثم قال: ((قال عبد الحميد بن جعفر: حوي)).
وابن نضيلة، ويقال: ابن نضلة اسمه عبيد، وقيل: طلحة كما تقدم في رواية أيوب بن خالد وهو الخزاعي الأزدي أبو معاوية الكوفي المقرئ اختلف في صحبته فأثبتها جماعة ونفاها آخرون، ولم يذكره البخاري في ((تاريخه)) في الصحابة بل ذكره في التابعين الذين رووا عن ابن مسعود والمغيرة بن شعبة، وكذا ذكره مسلم في كتابه ((الكنى)).
والجمهور على أنه تابعي، وعلى هذا فالحديث مرسل.
Page 320
وحدث عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الثقة المأمون، عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال:
((كان جبريل -عليه السلام- ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها كما يعلمه القرآن)).
رواه علي بن خشرم ونعيم بن حماد وغيرهما عن عيسى.
ورواه محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا الأوزاعي فذكره بمثله.
تابعهما أبو إسحاق الفزاري وأبو يوسف محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي نحوه.
والأحاديث والآثار في معنى ذلك جمة، وقد قال البيهقي في كتابه ((معارف السنن)):
((قال الشافعي: وقيل لم يسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا قط إلا بوحي الله عز وجل فمن الوحي ما يتلى، ومنه ما يكون وحيا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستن به)). انتهى.
Page 321
قال مصنفه -رحمه الله-:
فالسنن النبوية، هي وحي من الله تعالى أيضا وعليها مدار الأحكام، وفيها معرفة أصول التوحيد وذكر صفات رب العالمين، وتنزيهه عن مقالات الملحدين، وفيها صفة الجنان، وما أعد الله فيها للأبرار ووصف النار، وما هيأ الله فيها للفجار، وما خلق الله تعالى في السموات والأرض من بديع المصنوعات، وعظيم الآيات، واختلاف أجناس المخلوقات من الملائكة والجن والأنس وسائر البريات، وفيها أنباء الأنبياء، وكرامات الأولياء، وقصص الأمم القدماء، وبيان مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسراياه، وبعوثه وكتبه وأحكامه وأقضيته ومواعظه ووصاياه، ومعجزاته وأيامه وصفاته، وأخلاقه وآدابه وأحواله إلى حين مماته، وذكر أزواجه وأولاده وأصهاره وأصحابه، ونشر فضائلهم ومناقبهم وأقاويلهم في الشريعة، وفيها تفسير القرآن العظيم، وبيان لأكثر الآيات المجملة فيه، وبها عرف الحلال والحرام، والهدى من الضلال، وما يحبه الله ويرضاه ويقرب إليه ويبعد عنه، غير ما فيها من الفوائد الظاهرة والخفية والمعاني الشريفة التي لا توجد إلا فيها وكيف لا وهي كلام أفصح الخلق، وحبيب الحق، ومن أعطي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم - صلى الله عليه وسلم -.
وقد نصب الله تعالى للسنة رجالا رحلوا في طلبها إلى البلاد الشاسعة، وجمعوها من الأماكن القاصية على اختلاف وجوهها، وتشعب طرقها، وتغاير ألفاظها، وهذبوا إسنادها الذي أكرم الله به هذه الأمة، وحرروا أحوال رجالها، وبينوا الثقة من الصدوق، والعدل من المستور، والمشهور من المجهول، والقوي من اللين، والضعيف من الواهي، والمتروك من الكذاب، حتى عرف صحيح السنن من سقيمها، ومسندها ومرسلها، ومرفوعها من موقوفها، وموصولها من مقطوعها، ومعللها من سليمها، ومقلوبها من قويمها، ومتواترها من أفرادها، وشاذها ومشهورها من غريبها، وناسخها من منسوخها، ومبينها من مجملها، ودونوها للطالبين، ونفوا عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وشبه المبتدعين، فأهلها هم خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين دعا لهم بالرحمة والنضرة.
Page 322
قال أبو محمد يحيى بن محمد ابن صاعد: وحدثنا محمد بن الحسن الهمذاني الكوفي حدثنا أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله العلوي، حدثنا ابن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، سمعت علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول:
خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((اللهم ارحم خلفائي)) قلنا: يا رسول الله! ومن خلفاؤك؟.
قال: ((الذين يأتون من بعدي يروون سنتي وأحاديثي ويعلمونها الناس)).
وجاء أن أهل الحديث هم الأبدال في الأرض.
قال أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسروق القواس الزاهد - وكان يقال: إنه من الأبدال -رحمه الله- قال: حدثنا محمد بن إسحاق المقرئ إملاء سمعت عبد الله بن إسحاق سمعت أبي يقول: قيل لأحمد بن حنبل -رحمه الله- ما الأبدال؟ أو: هل لله تعالى أبدال في الأرض؟.
قال: ((نعم لله في الأرض أبدال))، قيل: من هم، قال؛ ((إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فلا أعرف لله أبدالا)).
وروى نحوه عمر بن بكار القافلاني عن أحمد.
Page 323
وكذا قال صالح بن محمد الرازي فيما رويناه عنه وسأله رجل فقال: ((إذا لم يكونوا أصحاب الحديث هم الأبدال فلا أدري من الأبدال)).
وقال: هذا كلام يزيد بن هارون ذكره عن سفيان الثوري.
وقال النضر بن شميل فيما روينا عنه: سمعت الخليل بن أحمد يقول: ((إن لم يكن أهل القرآن والحديث أولياء لله فليس لله في الأرض من ولي)).
وقال محمد بن عصام: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن حاتم يقول: قال إبراهيم بن أدهم:
((إن الله -عز وجل- يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث)).
وقال هشام بن عمار: حدثنا الجراح بن مليح حدثنا بكر بن زرعة سمعت أبا عنبة الخولاني -وكان ممن صلى القبلتين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكل الدم في الجاهلية- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
((لا يزال الله عز وجل يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته)).
Page 324
وخرجه أبو عمر ابن عبد البر في كتابه ((بيان العلم)).
واسم أبي عنبة: عبد الله بن عنبة، وقيل: عمارة.
واختلف في صحبته فقال مسلم في كتاب ((الكنى)): ((له صحبة)).
وعلى هذا جماعة وبعضده هذا الحديث وأنه من السابقين رضي الله عنهم أجمعين.
قال أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم البغدادي: بلغني عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: ((هم أصحاب الحديث)).
وقال ابن أبي فديك: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس سمعت علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((اللهم أرحم خلفائي)) قلنا: يا رسول الله؟ من خلفاؤك؟. قال:
((الذين يروون أحاديثي وسنتي ويعلمونها الناس)).
Page 325
وقال أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد بن بشر الفسوي فيما روينا عنه: ((رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله! من الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة؟.
قال: ((أنتم يا أصحاب الحديث)).
وقال أبو الفضل محمد بن جعفر بن عبد الكريم بن بديل الخزاعي المقرئ -وفيه مقال-: سمعت أبا العباس أحمد بن منصور الحافظ يقول: سمعت أحمد بن محمد بفسا يقول: ((رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله! قلت: ((أن أمتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة)) من الناجية منهم؟.
قال: ((أنتم يا أصحاب الحديث)).
فأصحاب الحديث هم الفرقة الناجية من الفرق، وهم الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله.
قال أبو بكر بن أبي داود فيما روينا عنه: حدثنا أبي عن سعيد بن يعقوب الطالقاني أو غيره قال: ذكر عبد الله بن المبارك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوأهم حتى تقوم الساعة)).
قال ابن المبارك: هم عندي أصحاب الحديث.
Page 326