565

L'Ictisam

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

Maison d'édition

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

Lieu d'édition

المملكة العربية السعودية

فَصْلٌ
وأَضعف هؤلاءِ احْتِجَاجًا: قَوْمٌ اسْتَنَدُوا فِي أَخذ الأَعمال إِلى الْمَنَامَاتِ، وأَقبلوا وأَعرضوا بِسَبَبِهَا، فيقولون: رأَينا فلانًا الرجل الصالح في النوم (١)، فَقَالَ لَنَا: اتْرُكُوا كَذَا، وَاعْمَلُوا كَذَا. وَيَتَّفِقُ مثل هذا كثيرًا للمُتَرَسِّمين (٢) برَسْم التَّصَوُّفِ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: رأَيت النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي كَذَا، وأَمرني بِكَذَا؛ فَيَعْمَلُ بِهَا، وَيَتْرُكُ بِهَا (٣)، مُعْرِضًا عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لأَن الرُّؤْيَا مِنْ غَيْرِ الأَنبياءِ لَا يُحْكَمُ بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ، إِلا أَن نعرضها عَلَى مَا فِي أَيدينا مِنَ الأَحكام الشَّرْعِيَّةِ، فإِن سَوَّغَتْهَا عُمل بِمُقْتَضَاهَا، وإِلا وَجَبَ تَرْكُهَا والإعراض عنها، وإِنما فائدتها البشارة والنذارة (٤) خَاصَّةً، وأَما اسْتِفَادَةُ الأَحكام فَلَا، كَمَا يُحْكَى عَنِ الكِتَّاني ﵀ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ من الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَن لَا يُمِيتَ قَلْبِي، فَقَالَ: قُلْ كُلَّ يَوْمٍ أَربعين مَرَّةً: "ياحي يَا قَيُّومُ! لَا إِله إِلا أَنت" (٥)، فَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ لَا إِشكال فِي صِحَّتِهِ، وَكَوْنُ الذِّكْرِ يُحْيِي الْقَلْبَ صَحِيحٌ شَرْعًا، وَفَائِدَةُ الرُّؤْيَا التنبيه على الخير، وهي (٦) من

(١) قوله: "في النوم" ليس في (خ) و(م).
(٢) في (خ): "للمتمرسين"، وفي (م): "للمرتسمين". وعلق عليها رشيد رضا بقوله: تمرَّس بالشيء: احتكّ به، وتمرّس بدينه: تلعب به وعبث كما يعبث البعير. والمراد بهم هنا: المقلّدون للصوفية في رسومهم الظاهرة، دون أخلاقهم وأعمالهم. اهـ.
(٣) قوله: "بها" ليس في (غ) و(ر).
(٤) في (خ): "أو النذارة".
(٥) ذكر قول الكتاني هذا القشيري في "رسالته" (ص١٧٧).
(٦) في (خ) و(م):"وهو".

2 / 93