أما رب الأرباب «زيوس» فهو أشبه ما يكون بالشيطان في الديانات الشرقية القديمة، وهو في جميع صوره شهوان نهم أكول، شديد الطمع، لا يبالي شيئا من الدنيا غير استبقاء سطوته وموارد خزانته؛ ولهذا أرسل الصاعقة القاتلة على «أسقولاب» أبي الطب؛ لأنه يشفي المرضى فلا يموتون ويخسر «بلوطس» في العالم الأسفل ضرائب نقلهم على الهاوية السوداء.
وتمتلئ الأساطير اليونانية بأنباء الشجار بين رب الأرباب هذا وقرينته «هيرا» التي كانت تفاجئه في خياناته الغرامية مع نساء الإلهة وبني الإنسان، وربما عنفته في بعض هذه المشاجرات؛ لأنه ينحرف نحو «الشذوذ الجنسي» فيهبط إلى الأرض ليختطف منها الغلام الجميل «جانيميد» يجعله ساقيا في الملأ الأعلى يدير الرحيق عليه وعلى ندمائه المقربين.
وتتمثل لنا صورة زيوس هذا في أساطيره الكثيرة نموذجا للقوة الجسدية، وللحقد على من يظهرون الذكاء ويحرمونه لذات المخدع والخوان؛ فإن غضب فإنما يغضب لفوات لذة أو أكلة، وإن رضي فإنما يرضى لخدمة أو وساطة في طعام أو غرام. وهذه إحدى المحاورات بينه وبين برومثيوس كما تمثلها «لوسيان الساموسي» أديب الأساطير المشهور. - أطلقني يا زيوس؛ حسبي ما قاسيت. - أطلقك؟ أطلقك أنت؟ كيف؟ إنك لأولى أن يزاد عليك ثقل الأغلال، وأن تطبق عليك جبال القوقاز جميعا، وأن ينهش من كبدك اثنا عشر عقابا بدلا من هذا العقاب الواحد؛ فإنك أنت الذي أغريت هذه المخلوقات البشرية اللعينة بأن تجترئ على مناوأتنا، وأنت الذي اختلست سر النار، وأنت الذي سويت المرأة! وما بي من حاجة أن أذكرك بما صنعت حين وضعت لي العظم على المائدة وغطيته بالشحم تخدعني عن طعامي، فذق إذن جزاءك؛ فإنك به لجدير. - وهل تراني لم أصب من ذلك الجزاء ما هو حسبي؟ ألم ألصق هنا بالجبل سنين بعد سنين يأكل من كبدي عقابك هذا اللعين الأثيم؟ - إنك لم تصب عشر معشار الجزاء الذي أنت به حقيق. - تأمل؛ إنني لا أطلب منك الإفراج عني سماحة بغير عوض، وإنما أهب لك سرا من الأسرار الغالية التي تعنيك. - آه. إنها إذن لحيلة من حيل برومثيوس. - حيلة من حيلي! ولأي غرض؟ إن جبل القفقاز موجود، وإنك لقادر على الرجعة بي إليه إن كذبت عليك. - قل لي أولا في أي شيء تكون هذه النصيحة الغالية. - أإذا أنبأتك حقا بشيء عن هذه النصيحة، ألا تعلم منها أيضا أنني أحس بالنبوءة عن الغيب؟ - بكل يقين. - إنك على موعد زيارة لثيتس. - إلى هنا أصبت، فماذا بعد هذا؟ قل؛ إنني الآن أصغي إليك. - لا تضاجعها يا زيوس؛ فإن بنت نيريس لا تلبث أن تحمل منك حتى تلد طفلا يبتليك بما تبتليني به الآن. - تعني أنني أفقد عرشي؟ - أعيذك من القضاء، وإنما أنبئك بما سيكون من وراء ذلك اللقاء. - إذن وداعا يا ثيتس. وأنت يا برومثيوس سيأتيك هيفستس بالفرج القريب. •••
ورواية لوسيان لأخبار برومثيوس مع رب الأرباب تطابق رواية «هزيود» الذي تولى تنقية الأساطير، وحاول أن يعرض زيوس في معرض التقديس والتنزيه، فلم يترفع به عن وصمة النهم الذي يغضب لأكلة، ولا عن تهمة الغيرة من ذوي الفطنة والحيلة، بل ألقى اللوم على المغضوب عليهم لأنهم استحقوا الغضب بالتعالم عليه، وحكى وهو يبسط القول في أوائل خلق الكون قصته التالية: ... وولدت كليمين بنت الأوقيانوس ولدا أصمع القلب هو الأطلس، وكذلك ولدت منوتيوس المجيد، وبرومثيوس اللبيب صاحب الحيل والأساليب، وأييمثيوس الذي كان من مبدأ أمره شرا على الناس الذين يأكلون الخبز؛ لأنه هو الذي أخذ من زيوس المرأة التي خلقها، وكان منوتيوس ثائرا مثيرا، فرأى زيوس بثاقب نظره أن يرجمه بصاعقة هبطت به إلى أرينوس لادعائه وإمعانه في كبريائه ... وقضى على برومثيوس ذي البديهة الحاضرة والعارضة القوية أن يوثق بأغلال لا يفلت منها، وقيود قاسية لا ترحمه، وأن يطعن أحشاءه بسهم يكشف عن كبده لينهشها النسر الطويل الجناحين، فيلتهمها بالنهار، ويتركها في سواد الليل تعود سوية كما كانت ليعاود تمزيقها في الصباح.
وقد جاء هرقليس فقتل هذا النسر وأنقذ برومثيوس من عذابه ... ولم يكن ذلك بغير رضى من زيوس صاحب العرش الرفيع في الأولمب، وإنما أراد نباهة الشأن لابنه هرقليس ... فنظر بعين الرضى إلى فعلته وإن يكن غاضبا من برومثيوس؛ لأنه تسامى إلى مناظرة الإله الأكبر في الذكاء ... وقد كانت لذلك قصة يوم انقسم الأرباب والبشر، وذبح برومثيوس ثورا عظيما ليطعمهم منه؛ فسولت له نفسه أن يخدع زيوس، وأن يضع اللحم الجزل أمام غيره، ويضع أمامه عظما مكسوا بالشحم يلمع عليه ويخفي ما تحته بلباقته وخبثه، فلم يلبث زيوس أن صاح به: يا ابن يابيتس سيد السادة، ما أشد إجحافك - سيدي - في قسمتك!
كذلك قال زيوس صاحب الحكمة الخالدة يؤنبه، فلم ينس برومثيوس مكره، وراح يجيبه في ابتسام وصوت خفيض: «خذ من هذه الأنصبة جميعا ما ترضاه»، وظن أنه يحتال على الإله الأكبر بهذه الخديعة، ولكن الإله الأكبر صاحب الحكمة الخالدة لمح كيده، ولم يخف عليه قصده، وأضمر في قلبه شرا لأبناء الفناء من البشر لا محيص لهم من قضائه، وتناول الشحم الأبيض بكلتا يديه وقلبه مفعم بالغضب، وروحه يتلهب سخطا كلما رأى العظم الأبيض مدسوسا في خبث واحتيال؛ ولهذا قضى على عشائر البشر أن تحرق العظم الأبيض على المذابح المعطرة قربانا للأرباب الخالدين. ويزمجر مرسل الغمام بصواعقه محنقا إذ يقول لبرومثيوس: يا ابن يابيتس، يا بارعا فوق البارعين، كأنك يا سيدي لم تنس بعد أساليبك في المكر والخداع!
كذلك قال زيوس السرمدي الحكمة في غضبه، وظل منذ تلك الساعة يذكر الحيلة، ويأبى أن يسلم سر النار إلى الخلائق البشرية الهالكة التي تعيش على الأرض، إلا أن برومثيوس النسيب الحسيب غلبه دهاؤه، واختلس قبسا من النار في جوف قصبته، وأحس زيوس مرسل الصواعق في العلا بلذعة في فؤاده حين لمح النار بين أبناء البشر ...
ثم مضى هزيود يروي قصة المرأة التي خلقها زيوس شرا للبشر، وجعل اجتنابها في الوقت نفسه شرا يورث العقم، وجاء برومثيوس فأغرى الإنسان بالنسل مستهينا بشر الفتنة حذرا من شر الفناء.
وبديه أن تستهوي الشعراء هذه الأسطورة التي تحيط بمأساة البشر بين القوة الإلهية التي تحبهم، والقوة الكبرى التي تبغضهم وتلقيهم بين شرين من الفتنة والفناء، فقد جرب الشعراء أخيلتهم في نظم الأسطورة وإيداعها كل ما تتسع له من أحاسيسهم وأفكارهم، ومن تصويراتهم للقدر المحيط بالإنسان بين السماوات والأرضين، وقد تناولها في العصر القديم شاعر من أكبر شعراء اليونان، وتناولها في العصر الحديث شاعر من أكبر شعراء الإنجليز وشعراء الغرب أجمعين، فنظم فيها «إسكايلاس» قصيدته بعنوان «برومثيوس المعتقل»، ونظم فيها «شلي» قصيدته بعنوان «برومثيوس الطليق».
وكلاهما قد وضع برومثيوس وزيوس في مكانيهما من الإنصاف والإجحاف، ومن الخير والشر، ومن البر والعقوق، فجعل الشاعر اليوناني زبانية زيوس نفسه يرثون لبرومثيوس الذي قضي عليه - لعطفه على أبناء البشر - أن يوثق إلى صخرة نائية لا يراها أحد منهم، ولا يسمعه منها أولئك الذين قد شقي في سبيلهم فيجزيه عطفا بعطف، وإحسانا بإحسان، وجعل الشاعر الحديث رب الأرباب كالمارد العربيد أسكره النصر، فقام بين مخلوقاته الذين تسعدهم عزته، ونعى لهم صديق البشر الذي يرفعون إليه قرابينهم على كره منهم، وفي قلوبهم غصة، وعلى ألسنتهم نفاق.
Page inconnue