وتروى قصة النقمة من البشر على روايات شتى يكثر فيها التناقض على ما هو مألوف في الأساطير الأولى، فأشدها وأصرمها هذه القصة التي نقشت على هيكل ملك يهمه أن يبالغ في بطش الأرباب ومصير العصاة، وأقربها إلى الرفق تلك الروايات التي تقول: إن الأرباب راجعوا الإله الأكبر، وراح بعضهم يمزج الجعة بالأصباغ الحمراء ليحكي بها لون الدم، ويزعم للأرباب الساخطين أنه قد أريق منه ما يكفي للزجر والعقاب.
وكانت فكرة المصريين الأقدمين عن قوة الشر أو قوة الإله الشرير موروثة من أقدم العهود، تتسم كما يتسم كل شيء في مصر القديمة بالمحافظة الشديدة، واستبقاء الكثير من مخلفات كل عصر سابق، وكل عقيدة مهجورة، فيكثر فيها الاختلاف والتناقض على حسب الحواشي والإضافات التي تلصق بها من كل حقبة مرت بها في طريقها البعيد.
ففي صورة إله الشر بقية من عبادة الأسلاف، وبقية من امتزاج السحر بالعبادة، وبقية من عبادة الشمس، وبقية من تعدد الآلهة بين مصر السفلى ومصر العليا، وفيها مع ذلك أثارات تدل على أنها في جملتها معلومات تاريخية واقعة عرض لها التشويه، وانطوت في عداد المجهولات التي يستدل عليها بالتخمين والترجيح.
ومهما يكن من خلاف في العقائد المصرية العريقة، فالقاعدة المطردة في تمحيص لبابها أنها مشتملة ولا بد على شيء يتعلق بكيان الأسرة، وشيء يتعلق بكيان الدولة، وشيء يقوم على الشريعة والعرف الاجتماعي، أو على ما نسميه اليوم بالنظام.
وعلى هذه الصورة تتمثل قوة الشر كما خلصت من الروايات المتعددة على طول الزمن، فهو صورة الأخ الشرير، والحاكم المغتصب، والمفسد الذي يعيث في الأرض ويخرج على العرف والعادة. وهذه هي صورة الإله «ست» إله الظلام في عقيدة الشعب المصري على الأقل؛ لأن عقائد الكهنة كانت تخالف العقائد الشعبية في تفصيلاتها، إن لم تخالفها أحيانا في الجملة والتفصيل.
وقد مضى زمن كان فيه «ست» معدودا من آلهة الحق والاستقامة، وكان الإله الموسوم بالشر هو «أبيب»، الذي كانوا يرسمونه في صورة حية ملتوية تحمل في كل طية من جسمها مدية ماضية، وتكمن للشمس بعد المغيب؛ فلا يزال إله الشمس «رع» في حرب معها ومع شياطينها السوداء والحمراء إلى أن يهزمها قبيل الصباح فيعود إلى الشروق. وقد خصص الجزء التاسع والثلاثون من كتاب الموتى لوصف القتال بين الإلهين إله الشمس وإله الليل، أو إله النور وإله الظلام.
وربما كانت القضية كلها في أوائلها المنسية قضية النزاع على العرش بين أخوين هما: أوزيريس وست، وبقي لكل منهما حزب يعظمه وينتصر له، حتى تغلب الحزب الظافر كل الغلبة فتضاءل أنصار الفريق المغلوب، وشاعت عنه أنباء الشر والتهمة، وانتهى بتمثيله في صورة «أبيب» إله الظلام، وتمثيل أخيه في صورة «رع» إله النور.
ولا يبعد أن يكون في الأمر خيانة زوجية أو شبهة من قبيلها؛ لأن أسطورة أوزيريس تروي أن الإله «رع» فاجأ الملكة «نوت» زوجته وهي في عناق «سب»، فلعنها ولعن ذريتها، وأقسم لا تلدن في يوم من أيام السنة، فلجأت إلى الساحر الأكبر «توت»، الذي كان مشهورا بعلم السماء وتسخير الأرواح العلوية والسفلية، فاخترع أيام النسيء الخمسة لتضاف إلى السنة، واستطاعت نوت أن تلد ولديها التوءمين أوزيريس وست في اليوم الثالث من هذه الأيام، وهي غير محسوبة من أيام السنة التي يطلعها «رع» بعلمه كلما عاد من الظلام، فخرج الولدان وفي أحدهما أو كليهما طبيعة الظلمة، أو طبيعة النور المختلس بغير علم من إله النور.
أما الرواية التي استقرت عليها قصة أوزيريس، فهي أن الأخوين تنافسا، فخدع «ست» أخاه وصنع صندوقا أغراه بالنزول فيه ليقيسه على جسده، ثم قتله ومزقه وألقى أشلاءه في النيل، فجمعتها إيزيس - زوجة أوزيريس - بمعونة الساحر توت، وبوأته عرش المغرب، فهو من ثم رمز للشمس في حالة الغروب.
وهناك رواية أخرى لعلها هي الأرجح والأقدم في التاريخ، وخلاصتها أن «ست» لم يقتل أوزيريس، ولكنه نازع ابنه «حوريس»، فتغلب عليه هذا وخصاه ليحرمه ويقطعه عن الملك في حياته وبعد حياته، ولم يكن للإله المغلوب من مكان يعبد فيه غير أقصى الجنوب في مكان «كوم امبو» اليوم حيث كان معبد التمساح.
Page inconnue