فسألها: «حقا؟» لم يسره ما قالت ولم يفاجئه، ويبدو أنه شعر أنه رأي متوقع وعديم الأهمية. لم يكن ليصف أي مسرحية بهذا الوصف، فقد كان يتحدث عنها وكأنها عقبة عليه أن يتجاوزها، أو تحد عليه أن يخوضه للانتصار على أعداء متعددين؛ أعداء على غرار المتعجرفين الأكاديميين - كما يسميهم - الذين عرضوا مسرحية «دوقة مالفي»، وأيضا على غرار الأغبياء الاجتماعيين - كما يسميهم - ممثلي المسرح الصغير. كان يرى نفسه دخيلا يفرض سيطرته على أولئك الأعداء، بتمثيل مسرحيته - كان يسميها مسرحيته - بالرغم من مقتهم ومعارضتهم. في البداية، ظنت بولين أن كل هذا يدور في مخيلته، وأن الأرجح أن هؤلاء الناس لا يعرفون شيئا عنه. ثم حدث أمر ما، قد يكون - لكنه قد لا يكون - مصادفة. كان لا بد من إجراء إصلاحات في قاعة الكنيسة التي ستعرض بها المسرحية، وهو ما جعل عرضها غير ممكن. وكذلك كانت هناك زيادة غير متوقعة في تكلفة طبع الملصقات الدعائية. فوجدت بولين نفسها تنظر للأمر من منظوره؛ فمن يقترب منه وقتا طويلا لا بد أن يرى الأمور من منظوره؛ فالجدال معه خطير ومرهق.
قال جيفري كازا على أسنانه، وإن كان بقليل من الرضا: «الأوغاد. لا أستغرب ما حدث.»
كانت بروفات المسرحية تتم في أحد الأدوار العليا بمبنى قديم بشارع فيسجارد. كان عصر يوم الأحد هو الوقت الوحيد الذي يجتمع فيه الجميع، لكن كانت هناك بروفات جزئية تقام على مدار الأسبوع. كان مرشد السفن المتقاعد الذي يؤدي دور السيد هنري قادرا على حضور جميع البروفات، وكان يثير أعصاب البقية بمعرفته أدوارهم جميعا. لكن مصففة الشعر - التي لم تكن لها أي خبرة إلا بأعمال جيلبرت وسوليفان لكنها الآن وجدت نفسها تؤدي دور أم يوريديس - لم تستطع ترك صالونها فترة طويلة في أي وقت آخر سوى عصر الأحد. وكذلك، كان سائق الحافلة الذي يؤدي دور حبيبها يشتغل بوظيفة يومية، مثله مثل النادل الذي يؤدي دور أورفيوس (وكان الوحيد الذي يأمل بينهم في أن يصبح ممثلا حقيقيا). أما بولين، فقد كانت تضطر أحيانا لأن تعتمد على جليسات أطفال في المرحلة الثانوية لا يعتمد عليهن؛ لأن براين خلال الأسابيع الستة الأولى من الصيف كان منشغلا بالتدريس في المدرسة الصيفية. وكذلك جيفري نفسه كان يتعين عليه أن يوجد في عمله بالفندق بحلول الثامنة مساء. لكن في عصر يوم الأحد، كانوا يوجدون جميعا. وبينما كان غيرهم في الوقت نفسه يسبحون في بحيرة ثيتيس، أو يمشون في منتزه بيكون هيل بارك تحت الأشجار ويطعمون البط، أو يذهبون بسياراتهم خارج البلدة إلى شواطئ المحيط الهادئ، كان جيفري وفريقه يكدحون في غرفة مغبرة ذات سقف عال في شارع فيسجارد. كانت نوافذها مقنطرة، كنوافذ بعض الكنائس البسيطة العريقة، وكانت تفتح في الجو الحار، وتسند بأي غرض يجده أعضاء الفريق أمامهم؛ مثل سجلات حسابات تعود إلى عشرينيات القرن العشرين وتخص متجر قبعات كان مفتوحا في السابق في الطابق السفلي، أو قطع من الخشب متخلفة عن إطارات لوحة زيتية رسمها فنانون على القماش وقد أضحت مكدسة الآن ومهملة عند أحد الجدران. وكان الزجاج متسخا لكن في الخارج انعكس ضوء الشمس على الأرصفة وأماكن ركن السيارات المفترشة بالحصى والمباني الجصية الخفيضة، فيما بدا بريقا خاصا بيوم الأحد. ولم يكد يمر أحد في شوارع وسط المدينة، ولم تكن هناك محال مفتوحة عدا المقهى - أحيانا - محدود المساحة، ومحل البقالة الذي يستعمره الذباب.
كانت بولين هي التي تذهب في الاستراحة لتبتاع المشروبات غير الكحولية والقهوة، وكانت هي أقلهم كلاما عن المسرحية وعن كيفية سيرها - مع أنها الوحيدة التي قرأتها من قبل - وذلك لأنها الوحيدة التي لم تمارس التمثيل من قبل؛ لذا فقد بدا الأفضل لها أن تتطوع لهذا الأمر، وكانت تستمتع بالتمشية القصيرة في الطرقات الخالية؛ وكانت تشعر في تلك الأوقات أنها قد أصبحت شخصا حضريا يعيش في عزلة عن الآخرين وإن سلطت عليه الأضواء في حلم عظيم. أحيانا كانت تفكر في براين وهو يعمل في الحديقة ويراقب الأطفال في المنزل. أو ربما يكون قد أخذهم إلى طريق دالاس؛ إذ وعدهم ذات مرة بأن يتنزهوا بمركب في البركة. بدت لها هذه الحياة مزرية ومملة بالمقارنة بما يحدث في بروفات المسرحية؛ تلك الساعات التي يقضونها في العمل والتركيز والأحاديث الحادة والعرق والتوتر، بل وحتى مذاق القهوة الساخنة المر التي اختارها الجميع وفضلوها على المشروبات الأشهى، غير أنها كانت تفضل المشروبات الباردة الأكثر حفاظا على الصحة. كذلك كانت تحب نوافذ العرض في المتاجر المجاورة. لم يكن الشارع الذي ترتاده للوصول إلى قاعة البروفات واحدا من الشوارع المبهرجة التي تقع قرب الميناء؛ فقد كان يعج بمحال إصلاح الأحذية والدراجات، ومتاجر الأصواف والأقمشة زهيدة الثمن، ومعارض الملابس والأثاث التي ظلت في نوافذ العرض حتى بدت مستعملة، وإن لم تكن كذلك. كذلك كانت بعض نوافذ العرض مغطاة من الداخل بطبقة من البلاستك الرقيق المجعد الذهبي اللون - الشبيه بالسلوفان - لحماية البضاعة المعروضة من أشعة الشمس. غير أن كل هذه المتاجر والمحال كانت تغلق أبوابها في هذا اليوم، الأحد، وإن بدت كما هي - لا تتأثر بتغيير الأيام - كرسوم على جدران الكهوف أو آثار مكتشفة تحت كثبان الرمال. •••
عندما قالت إنها مضطرة أن تتغيب عن البروفات في إجازة لمدة أسبوعين، صعق جيفري - وكأنه لم يتخيل يوما أن حياتها قد تتخللها الإجازات - ثم بدأ يتعامل مع الفريق بجدية وقليل من السخرية؛ وكأن هذه ضربة أخرى كان ينبغي له توقعها. غير أن بولين أوضحت له أنها لن تتغيب عن البروفات سوى يوم واحد - ذاك الأحد الذي يتوسط الأسبوعين - لأنها وبراين سيذهبان بالسيارة إلى الجزيرة يوم الإثنين ثم يعودان صباح يوم الأحد الذي يليه، وقطعت على نفسها عهدا أن تعود في الميعاد المحدد المزمع إقامة البروفة فيه. لكنها تساءلت فيما بينها كيف يمكنها الوفاء بذلك العهد؛ فدائما ما يستغرق الأمر أكثر من المتوقع لحزم الحقائب ومغادرة المكان، وتساءلت أيضا إن كان يمكنها العودة بمفردها، مستقلة الحافلة التي تغادر في الصباح. ولكن قد يكون هذا الطلب مبالغا فيه؛ لهذا لم تذكره لعائلتها.
ما استطاعت أن تسأله هو هل المسرحية هي جل ما يفكر فيه؟ هل مجرد غيابها عن البروفة هو السبب وراء هذه الزوبعة؟ في هذه المرحلة، كان ذلك هو الأقرب إلى الحقيقة؛ فعندما كان يتحدث إليها خلال البروفات، لم يكن هناك أي إشارة إلى أنه يتحدث معها بطريقة تشي بغير ذلك. والاختلاف الوحيد في معاملته إياها مقارنة بالفريق كان انخفاض سقف توقعاته منها ومن أدائها التمثيلي عما يتوقع من الآخرين. وكان هذا أمرا مفهوما للجميع. لقد كانت هي الوحيدة التي اختيرت فجأة لأجل مظهرها، أما الآخرون فقد تقدموا لاختبار أداء بعد أن قرءوا اللافتات الإعلانية التي علقها في المقاهي والمكتبات المنتشرة في أرجاء المدينة. كان يتوقع منها الجمود والارتباك الذي لم يرده من بقيتهم؛ ربما لأنها في أجزاء لاحقة من المسرحية من المفترض أن تمثل دور امرأة قد ماتت بالفعل.
لكنها ظنت أنهم جميعا يعرفون؛ بقية الممثلين كلهم يعرفون ما يجري بالرغم من أساليب جيفري الفظة غير المتوقعة التي لا تتميز بكثير من التحضر. كانوا يعرفون أنه بعد أن يذهب كل منهم لحال سبيله، يمشي عبر الغرفة ويغلق رتاج الباب المؤدي إلى الدرج (في البداية كانت بولين تتظاهر بأنها تغادر مع بقية الممثلين، بل إنها كانت تستقل سيارتها وتدور حول الحي، لكن فيما بعد صارت هذه الحيلة مهينة؛ ليس لنفسها ولجيفري فقط، بل أيضا للآخرين الذين كانت تثق أنهم لن يغدروا بها؛ لأنهم جميعا - مثلها - يقعون تحت تأثير السحر المسرحي القوي مع أنه مؤقت).
يمشي جيفري عبر الغرفة ويغلق رتاج الباب؛ وفي كل مرة يبدو الأمر كقرار جديد لا بد أن يتخذه، وحتى ينتهي مما خطط له، ما كانت لتنظر إليه. صوت الرتاج وهو يندفع في فجوته اندفاعا - ذاك الصوت المشئوم الحتمي لمعدن يضرب معدنا - كان يبث في نفسها صدمة مركزة تدفعها للاستسلام. ما كانت لتتحرك في ذلك الحين، وما كان منها سوى أن تنتظر ليعود إليها بعد أن تزول عن وجهه تعبيرات العناء والجهد والإحباط المعتاد والطبيعي. كل ذلك يتلاشى وتحل محله طاقة مفعمة بالحيوية طالما أدهشتها. •••
تساءل والد براين: «أخبرينا عما تدور حوله هذه المسرحية؛ أهي واحدة من تلك المسرحيات التي يخلع فيها الممثلون ثيابهم على خشبة المسرح؟»
قالت أم براين: «لا تضايقها.»
Page inconnue