Ḥilyat al-ṭirāz fī ḥall masāʾil al-alghāz ʿalā madhhab al-Imām Aḥmad b. Ḥanbal

حلية الطراز في حل مسائل الألغاز على مذهب الإمام أحمد بن حنبل

Editor

مساعد بن قاسم الفالح

Publisher

دار العاصمة

Edition Number

الأولى

Publication Year

1414 AH

Publisher Location

المملكة العربية العربية

حِلْيَة الطراز

في حَلْ مَسَائِلْ الألغاز

على مَذهب الإمام أحمد بن حَنْبل

تأليف

أبي بكر بن زيد الجراعي

تحقيق

مساعد بن قاسم الفالح

دار العاصمة

1

رفع

عبد الرحمن النجدي
أسكنه الله الفردوس

حلية الطراز

في حل مسائل

الألغاز على مذهب

الإمام أحمد بن حنبل

تأليف

أبي بكر بن زيد الجراعي
المتوفى سنة ٨٨٣هـ

تحقيق

مساعد بن قاسم الفالح

2

بسم الله الرحمن الرحيم

٢٥٨,٤

٧٨٣ ج

الجراعي، أبو بكر بن زيد، ت ٨٨٣ هـ.

حلية الطراز في حل مسائل الألغاز على مذهب الإمام أحمد بن حنبل / تأليف أبي بكر بن زيد الجراعي؛ تحقيق مساعد بن قاسم الفالح. - ط. ١. - الرياض: دار العاصمة، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣ م.

ص. ؛ سم.
ردمك ٠-٠١-٧٤٩-٩٩٦٠

١. الفقه الحنبلي

أ. الفالح، مساعد بن قاسم، محقق
ب. العنوان

رقم الإيداع: ١٤/٠٢١٣

ردمك ٠-٠١-٧٤٩-٩٩٦٠

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

١٤١٤ هـ

دار العاصمة

المملكة العربية السعودية

الرياض - ص.ب ٤٢٥٠٧ - الرمز البريدي ١١٥٥١
هاتف ٤٩١٥١٥٤-٤٩٣٣٣١٨- فاكس ٤٩١٥١٥٤

3

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فكثيرًا ما توقفت أثناء المطالعة في كتب الفقه عند المسائل التي يوردها الفقهاء - خاصة الحنابلة - ضمن ما يعابا به، وقد عنَّ في خاطري جمع هذه المسائل في كتاب، والتعليق عليها، وترتيبها حسب ما أستصوبه وأراه مناسبًا، ويسَّر الله لي أن بدأت بجمع هذه المسائل من سنوات، بيد أنه أثناء مرحلة الجمع وحينما كنت أطلع على فهارس بعض المخطوطات وقع نظري على كتاب: ((حلية الطراز في حل مسائل الألغاز)) لأبي بكر بن زيد الجراعي الحنبلي، فألفيته كتابًا جامعًا جمع فيه الجراعي فأوعى، وبدا لي أن تحقيق هذا الكتاب وإخراجه سيحقق الفائدة للقارىء، وما يمكن أن يكتب بعد ذلك في موضوعه سيكون عالة عليه. فاستعنت بالله، وأطرحت ما كنت بصدده من الكتابة في الموضوع، وعقدت العزم على تحقيق هذا السفر الفريد، وكان الباعث - إضافة إلى ما تقدم - ما ظهر لي من أن هذا النهج لجميع المسائل الفقهية نادر في موضوعه، فريد في بابه، إضافة إلى أن مصنف الكتاب شخصية علمية، جمع شتات هذه المسائل وألّف بين شواردها بأسلوب واضح وعبارة بينة.

والكتاب نسيج وحده في الفقه الحنبلي - حسب علمي - فلم ينسج أحد من الحنابلة على منواله ولا حذا حذوه.

وحتى تكتمل الفائدة فقد رأيت أن أقدم تحقيق الكتاب بتمهيد ينتظم التعريف بالمصنف والكتاب ونسخه ومنهج العمل فيه.

3

التعريف بالمصنف:

أبو بكر بن زيد بن أبي بكر بن زيد بن عمرو بن محمود التقي الحسني الجراعي، الدمشقي، الصالحي، الحنبلي، كان إمامًا، علامة ذكيًّا، طلق العبارة، فصيح اللسان، طارحًا للتكلف، مقبلاً على شأنه، ساعيًّا في ترقي نفسه في العلم والعمل ومحاسنه جمة(١).

ولد في سنة خمس وعشرين وثمانمائة بجراع من أعمال نابلس، ونشأ وترعرع بها فنسب إليها.

ويذكر السخاوي(٢) أن أبا بكر بدأ طلب العلم في جراع فقرأ القرآن عند يحيى العبدوسي، و((العمدة))، و((العزيزي))، في التفسير، و((الخرقي)) و((النظام)) المذهب في الفقه، و((الملحة)) وبعض ((ألفية ابن مالك)) ونحو ثلثي ((جمع الجوامع)) و((ألفية شعبان الآثاري)) بتمامها وغيرها.

وتفيد بعض تراجم أبي بكر(٣) أنه لم يبق طويلاً في جراع حيث تنقل في طلب العلم إلى مناطق عدة، فقدم دمشق في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وأخذ الفقه عن التقي بن قندس، ورافق في ذلك الشيخ علاء الدين المرداوي، واشتغل في الفرائض على الشيخ الشمس السلي وغيره حيث برع وصار من أعيان فضلاء مذهبه بدمشق، وتصدى للتدريس والإِفتاء والإِفادة، وباشر نيابة القضاء.

قال السخاوي(٤): ((ولما دخلت دمشق رافقني تبعًا لشيخه التقي، في السماع، بل كان يقرأ بنفسه أيضًا)).

(١) ينظر: الضوء اللامع ٣٢/٦

(٢) المصدر السابق.

(٣) ينظر: شذرات الذهب ٣٣٦/٧، ٣٣٧، الضوء اللامع ٣٣،٣٢/٦، والمنهج الأحمد ٥٠٧/٢.

(٤) الضوء اللامع ٣٢/٦.

4

وفي دمشق تولى أبو بكر التدريس بالمدرسة العمرية الواقعة في سفح قاسيون، وكان درسه يوم السبت.

ولأن أبا بكر - رحمه الله - صاحب همة عالية فإنه لم يقنع بما تلقاه من العلم في دمشق فانتقل إلى القاهرة في سنة إحدى وستين وثمانمائة، فاستخلفه القاضي عز الدين الكناني في الحكم وباشر عنه بالمدرسة الصالحية، قال في الضوء اللامع(٥): ((قدم القاهرة في سنة إحدى وستين وثمانمائة فطاف يسيرًاً على بعض من تبقى كالسيد النسابة، والعلم البلقيني، والجلال المحلي، وأم هانىء الهورينية من المسندين، وقرأ عليّ قطعة من القول البديع، وتناول مني جميعه مع الإِجازة، وكذا قرأ على التقي الحصني، وعلى القاضي عزالدين يسيرًا في المنطق وغيره، وعرض عليه النيابة فما امتنع خوفًا من انقطاع التودد، وحضر دروس ابن الهمام، وأخذ عنه جماعة من المصريين، وربما أفتى وهو في القاهرة، وحج مراراً وجاور في بعضها سنة خمس وسبعين وثمانمائة، وأقرأ هناك أيضًا بل وقرأ مسند إمامه بتمامه هناك)).

من فتاوى أبي بكر أن قاضي القضاة عزالدين الكناني سُئل عمن عليه دين مؤجل، وقصد السفر وخشي صاحب الدين من حلوله قبل عود الغريم فطلب منه ذهبًا أو ضامنًا فامتنع وعجز عن رهن أو ضامن، فهل يحبس أم لا؟

فأجاب القاضي عز الدين: إن لغريمه منعه من السفر حتى يوثق برهن أو كفيل، قال: وأما حبسه فلا أعرف فيه نقلاً، والمسألة مشكلة جدًّا فسئل الشيخ تقي الدين الجراعي عن ذلك، فأجاب: أنه لا يحبس، لكنه يمنع من السفر.

وكان أبو بكر يحد السكران بمجرد وجود الرائحة على إحدى

(٥) ٣٢/٦.

5

الروايتين، وسئل عن دير قائم البناء تهدم من حيطانه المحيطة به هدمًا صارت الحيطان منه قريبة من الأرض فطلع لأهله حرامية لصوص، وقتلوا راهبًا، فهل للرهبان رفع الحيطان كما كانت تحرزًا من اللصوص؟ وهل لهم أن يبنوا على باب الدير فرنًا وطاحونًا، والحالة أن هذا الدير بعيد من المدينة غير مشرف على عمارة أحد من المسلمين فما الحكم في ذلك؟ فأجاب بالجواز في بناء الحائط المهدم، قال: ((وأما بناء الفرن والطاحون فإن كانت الأرض مقرة في أيديهم فلهم البناء؛ لأنهم إنما يمنعون من إحداث المتعبدات لا من غيرها))(٦).

استقر المطاف بأبي بكر آخر حياته في دمشق حيث توفي - رحمه الله - بصالحية دمشق ليلة الخميس حادي عشر رجب سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، ودفن في الجهة الشرقية من جبل قاسيون بجانب أخيه بهاء الدين عبدالله الجراعي(٧). وقد خلف الجراعي آثارًا علمية تشهد بغزارة علمه وسعة اطلاعه(٨) منها:

١ - الأوائل، وضعه المؤلف على نسق كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري، والأوائل للطبراني، مع تغليب للجانب الفقهي وذكر في مقدمته تعريفًا مقتضبًا به فقال: ((سنح بالبال أن أضع كتابًا في الأوائل محذوف التعليل والدلائل، منسوبًا غالبًا إلى من هو قائل، وقد جعلته عشرين بابًا)).

طبع الكتاب عن نسخة بخط يد المؤلف بتحقيق عادل الفريحات عام ١٤٠٨ هـ.

٢ - تحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد.

(٦) شذرات الذهب ٣٣٧/٧، المنهج الأحمد ٥٠٧/٢.
(٧) ينظر: شذرات الذهب ٣٣٧/٧، الضوء اللامع ٣٣/٦، والمنهج الأحمد ٥٠٨/٢.
(٨) ينظر: المراجع السابقة.

6

طبع هذا الكتاب بتحقيق الشيخ طه الولي سنة ١٤٠١هـ من نشر المكتب الإسلامي في بيروت، وقد انتظم الكتاب مقدمة وأربعة كتب وخمسة وسبعين بابًا تحدث فيها المصنف عن تاريخ المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى مع بيان ما يتعلق بالمساجد من الأحكام الشرعية والفضائل الدينية.

٣ - الترشيح في بيان مسائل الترجيح.

٤ - تصحيح الخلاف المطلق.

٥ - ((حلية الطراز في حل مسائل الألغاز)) موضوع الدراسة والتحقيق، وقد أفردت مبحثًا للحديث في موضوعه ومنهجه ونسبته إلى مؤلفه.

٦ - شرح أصول ابن اللحام.

٧ - غاية المطلب في معرفة المذهب.

اختصره أبو بكر من فروع ابن مفلح واعتنى فيه بتجريد المسائل الدائرة على الخرقي في مجلد.

وتوجد نسخة جيدة كاملة من هذا السفر النفيس في مكتبة طبقوسراي بتركيا.

ولهذا الأصل صورة في مكتبة جامعة الإمام.

٨ - فضائل الدرر في موافقات عمر.

٩ - مختصر أحكام النساء.

١٠ - قصيدة نظمها في فوائد السواك ومنافعه.

التعريف بالكتاب:

لم يظهر بعد الاطلاع على مصادر عدة إضافة إلى نسخ الكتاب ومقدمته ما يوحي بالإشكال في تسمية هذا المصنف ونسبته إلى مؤلفه،

7

فالجراعي - رحمه الله - أثبت اسم الكتاب في مقدمته فقال: «واعلم أنه من الألغاز ما لا يدرك إلا بالتوقيف عليه ولا يدرك بالتأمل والفكر، وهذا لا يدل العلم به ولا الجهل على شيء بالكلية، وإنما هو إتعاب للنفس وضياع للأزمنة. ومنها ما يدرك غالبًا بغزارة العلم وإدامة العمل وكثرة الاستحضار، وإصابة الفكر وجودة الذهن كقولنا: إنسان أتلف ماله وجب على غيره غرامته، وهذا القسم هو المثير للفوائد والمقيد للشوارد، وقد استخرت الله في وضع كتاب في هذا النمط يشتمل غالبًا على القسم الثاني فقط على مذهب الإمام الرباني أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، وربما وضعت فيه شيئًا من بقية المذاهب ونبهت على قائله في الغالب، وسميته: «حلية الطراز في حل مسائل الألغاز».

واتفقت نسخ الكتاب الثلاث على إبراز عنوان الكتاب على غلافه مضافًا إلى مصنفه، كما أن المترجمين للجراعي أثبتوا الكتاب من بين مصنفاته منسوبًا إليه.

إن قراءة متأملة لكتاب الجراعي: «حلية الطراز» تظهر أن المصنف - رحمه الله - أراد ألا يخرج بمؤلفه عن المسائل الفقهية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في الغالب، فانتظم الكتاب فروعًا فقهية صاغها أبو بكر - رحمه الله - بأسلوب شيق، وعبارة واضحة معتمدًا في عرضها على ما رأى أنه مثير للنفوس، ومحرك للبواعث، ومنشط للهمم، وداع للاستحضار والتأمل والفكر.

وقد نهج المصنف في ترتيب مصنفه نهجًا فقهيًّا فرتب مسائل الألغاز على حسب ترتيب الفقهاء، واندرجت كل مسألة ضمن ما يناسبها من الأبواب الفقهية.

والمتأمل لمصادر الجراعي في كتابه «حلية الطراز» يجد أن المصنف عول

8

كثيرًا على كتاب الفروع لابن مفلح، واستفاد من كتاب «طراز المحافل في ألغاز المسائل» للأسنوي الشافعي حيث صرح - رحمه الله - مرات بالنقل منه في مواضع عديدة، بيد أن «حلية الطراز» انتظم إضافة إلى ذلك جملة من المصادر الأصلية والأصول المفيدة تربو على الخمسين مرجعًا.

نسخ الكتاب:

أمكن بعد البحث الظفر بثلاث نسخ جيدة لكتاب: «حلية الطراز في حل مسائل الألغاز»، وفيما يلي وصف موجز لهذه النسخ التي رمزت لها بالرموز: (أ)، (ب)، (جـ)، مرتبًا إياها حسب الأفضلية:

النسخة (أ):

وتوجد بدار الكتب الوطنية بمصر ضمن مجاميع برقم ٢٢٨، وقد أثبت على غلافها العبارة التالية: «هذا كتاب حلية الطراز في مسائل الألغاز، تأليف الشيخ العالم العلامة شيخ الإِسلام تقي الدين الجراعي الحنبلي على مذهب الإِمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل نفعنا الله به والمسلمين آمين».

وجاء في آخر النسخة: «تم الكتاب بعون الملك الوهاب على يد أفقر الورى إلى عفو ربه العلي محمد بن أحمد بن علي البهوتي الحنبلي، شفاه الله من ذنوب العيوب، وسقاه من ذنوب الغيوب، وبصره بعيوب نفسه وجعل يومه خيراً من أمسه، آمين، وكان الفراغ صبيحة الأربعاء المبارك تاسع شهر جمادى الآخرة من شهور سنة خمسين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبي عليه توكلت وإليه مناب».

وينتظم في هذه النسخة ٨٦ صفحة في كل صفحة ٢٩ سطرًا تقريبًا. وقد كتبت النسخة بخط واضح ندرت فيه الأخطاء.

9

النسخة (ب):

وهي ضمن مخطوطات دار الكتب الوطنية بمصر برقم ٣٢٨٩٣ فقه حنبلي، وعلى غلافها تملك لمحمد بن عثمان بن يوسف بن عمر الشهير بالنجار الحنفي الفقيه، وجاء في آخر النسخة ما نصه: ((آخر الكتاب والحمد لله وحده، وكان الفراغ من نسخه الأحد في أوائل شهر ربيع الأول من شهور سنة ١٠٧٣ هـ والله أعلم)).

وفي هذه النسخة ٩٧ صفحة في كل صفحة ٢١ سطرًا ما عدا الصفحة الأخيرة ففيها ١٧ سطرًا.

النسخة (جـ):

وتوجد ضمن مجاميع حيث يبدأ كتاب حلية الطراز من الصفحة ١٢٩ وينتهي بالصفحة ١٧١، ينتظم في كل صفحة ٢١ سطرًا تقريبًا.

وفي النسخة بعض الأخطاء إضافة إلى أنها لم تخل من سقط في بعض ثنايا الكتاب.

وقد تمت كتابة هذه النسخة في عام ١٢٢٧ هـ حيث جاء في آخرها: ((آخر الكتاب والحمد لله وحده، وكان الفراغ من نسخه نهار الخميس في وقت العصر في أوائل شهر جمادى الأولى، من شهور ألف ومائتين وسبعة وعشرين، بقلم الفقير إلى الله تعالى عبده إسماعيل الراهني غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين)).

منهج العمل في الكتاب:

١ - اتضح بعد النظر والتأمل في نسخ الكتاب الثلاث تميز النسخة (أ) عن النسختين الأخريين، فهي أقدمهن تاريخًا وأقلهن أخطاءً واقتضى هذا التميز اتخاذها أصلاً قوبلت عليه النسختان الأخريان.

٢ - تخريج ما أورده المصنف من أحاديث بعزوها إلى أصولها من كتب

10

الحديث المعتمدة مع تبيان الكتاب والباب الذي أثبت فيه الحديث والاستعانة بحكم علماء الحديث على ما يحتاج إلى بيان درجته من الأحاديث.

٣- استعان المصنف - رحمه الله - بعدد من المصادر رجع إليها في كتابه فأحيانًا ينقل النص المراد وغالبًا يشير إليه واقتضى منهج التحقيق توثيق النصوص المنقولة بعزوها إلى أصولها ما أمكن، وإثبات النصوص المشار إليها من مصادرها مع عزوها أيضًا.

٤- تمت ترجمة الأعلام ترجمة موجزة تتضمن غالبًا اسم العلم وأهم مصنفاته وتاريخ مولده ووفاته.

٥- ختم الكتاب بفهارس تيسر الإفادة من موضوعاته.

٦- ما لم يخرج من الآثار أو يوثق من النقول - وهذا نادر جداً - فلأني لم أقف عليه في مظانه.

٧- ما صيغ من الألغاز نظماً لم يستقم بعضه وزناً، وفي حالات نادرة اقتضت الضرورة الشعرية بعض التجاوزات اللغوية، فإلى ذلك ألفت نظر القاريء الكريم.

11

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي(٩)

الحمد لله المغني بأفضاله لقصاده، الكافي بنواله لعباده، أحمده على الهداية حمدًا ليس له نهاية، وأشكره شكرًا يبلغ غاية المطلب على ما منَّ مِن توضيح وإيضاح وترغيب مذهب، وأسأله المزيد من إنعامه الشافي لتمهيد روضة في مقام وافٍ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة منظومة البركات، مستوعبة لسبل الخيرات. وأشهد أن محمدًا(١٠)ﷺ، عبده المنتقى من أرفع القبائل، ورسوله الهادي إلى ((منهاج))(١١) السلامة، وأشرف الوسائل؛ أرسله بدين ثابت الفروع والأصول، ليس للنسخ إليه وصول، صلى الله عليه وعلى آله النجباء وأصحابه الأدباء صلاة دائمة لا تزول، متكررة الأجناس والفصول، وسلم تسليمًا.

أما بعد:

فإن ألغاز المسائل برمزها من السائل مما تثير النفوس، وتحرك البواعث، وتنشط الهمم على استحضار أحكام الحوادث، وقد سلك المصطفى - عليه السلام - هذا المعنى مع أصحابه وتعاطاه(١٢)، وقد حضره ابن عمر(١٣)

(٩) في ب، جـ ((وصلى الله على سيدنا محمد)).
(١٠) في ب، جـ ((أن سيدنا محمدًا)).
(١١) في ب، جـ ((سبيل)).
(١٢) في ب، جـ ((وتعاطاه مع أصحابه)).
(١٣) عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أكثر من الرواية عن النبي،ﷺ، وروى عن بعض الصحابة ورووا عنه، ولد سنة ثلاث قبل البعثة، وتوفي سنة ٨٤هـ.

ينظر: الإصابة ١٦٧/٦، الاستيعاب ٣٠٨/٦.

12

ورآه (١٤)، ونقله البخاري(١٥) في صحيحه(١٦) ورواه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي ،ﷺ، قال: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي(١٧)؟)). فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: ((هي النخلة)).

وهذا تنبيه على التيقظ للمسائل المشكلة، وقد قال البخاري: ((باب طرح الإِمام على أصحابه المسألة)).

واعلم أن من الألغاز(١٨) ما لا يدرك إلا بالتوقيف عليه ولا يدرك بالتأمل والفكر، وهذا لا يدل العلم به ولا الجهل على شيء بالكلية، وإنما هو إتعاب للأنفس وضياع للأزمنة.

ومنها ما يدرك غالبًا بغزارة العلم، وإدامة العمل، وكثرة الاستحضار، وإصابة الفكر، وجودة الذهن، كقولنا: ((إنسان))(١٩) أتلف ماله وجب على غيره غرامته. وهذا القسم هو المثير للفوائد والمقيد للشوارد.

(١٤) وذلك مستفاد من نص الحديث الآتي قريبًا.

(١٥) محمد بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، الجعفي، أطبقت شهرته الآفاق، من أعظم مصنفاته: الصحيح، ولد سنة ١٩٤ هـ، وتوفي سنة ٢٥٦ هـ.

ينظر: في ترجمته: تهذيب التهذيب ٤٧/٩، وسير أعلام النبلاء ٣٩١/١٢.

(١٦) كتاب العلم باب طرح الإِمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم ٢٢/١.

(١٧) ((قال: فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة .. )). هكذا في صحيح البخاري.

(١٨) في ب، جـ ((واعلم أن الألغاز منها)).

(١٩) ساقطة من ((أ).

13

وقد استخرت الله - تعالى - في وضع كتاب في هذا النمط يشتمل غالبًا على القسم الثاني فقط، على مذهب الإِمام الرباني أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني(٢٠) - رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مثواه - وربما وضعت فيه شيئًا من بقية المذاهب، ونبهت على قائله في الغالب، وسميته: ((حلية الطراز في حل مسائل الألغاز)).

(٢٠) إمام أهل السنة، وأحد فقهاء المذاهب الأربعة، له المسند، والزهد، وغيرها، ولد سنة ١٦٤ هـ، وتوفي سنة ٢٤١ هـ.
ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد ٢١٢/٤، طبقات الحنابلة ٤/١.

14

فصل

في الكلام على اللغز

قال الجوهري(٢١): هو بضم اللام وفتح الغين، والجمع: ألغاز، مثل: رطب وأرطاب، ويقال فيه أيضًا: لغيز بغين مشددة مفتوحة بعدها ياء ساكنة ثم زاي مفتوحة ثم ألف مقصورة، تقول منه: ألغز في كلامه إذا أخفى مراده. قال: وأصل اللغز جحر اليربوع مفرع من جحره الأصلي، وذلك أنه يحفر جحرًا له منفذان وهو المسمى بالقاصعا والنافقا، ثم يولد من ذلك الجحر جحرًا آخر يمينًا أو شمالاً ليخفي به مكانه. انتهى.

وذكر غيره فيه ست لغات أخرى فتصير ثمانياً؛ لغتان مع فتح اللام، إحداهما: سكون الغين على وزن الضرب، والثاني: فتحها كأسد، وثلاث مع ضم اللام، إحداها: سكون الغين كقفل، والثانية: فتحها كرطب، والثالثة: ضمها كعتق. وثلاث مع ضم اللام لكن مع زيادة الياء، إحداها: لغيز بتشديد الغين، والثانية كذلك لكن بزيادة ألف مقصورة، والثالثة: لغيزا بتخفيف الغين والمد.

(٢١) في الصحاح جـ ٨٩١/٢ باب الزاي فصل اللام، طبعة دار الكتاب العربي، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطار. والجوهري هو: إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر، لغوي أديب، أصله من بلاد الترك، توفي بنيسابور سنة ٣٩٣هـ، من آثاره: تاج اللغة وصحاح العربية، كتاب في العروض، وله شعر.

ينظر: النجوم الزاهرة ٢٠٧/٤، طبقات النحاة واللغويين ص ٢١٥.

15

قال الأسنوي(٢٢): وقد جمع ابن خلكان(٢٣) في تاريخه(٢٤) هذه اللغات(٢٥) في ترجمة يحيى بن الجراح(٢٦).

والآن نشرع في المقصود والاعتماد على الكريم المعبود في تيسير أمورنا وتتميم ما عزمنا عليه فإنه حسبنا توكلنا عليه.

(٢٢) عبدالرحيم بن الحسن بن علي بن عمر الأسنوي الشافعي، فقيه، أصولي، مفسر، عالم بالعربية والعروض، ولد بصعيد مصر سنة ٧٠٤هـ وتوفي بالقاهرة سنة ٧٧٢هـ، من آثاره: التمهيد، والهداية، وطبقات الفقهاء.

ينظر: الدرر الكامنة ٣٥٤/٢، شذرات الذهب ٢٢٤/٦، النجوم الزاهرة ١٢٤/١١.

(٢٣) أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، ولد سنة ٦٠٨هـ، وتوفي سنة ٦٨١هـ، له وفيات الأعيان وغيرها.

ينظر: البداية والنهاية ٣٠١/١٣، طبقات الشافعية ١٤/٥.

(٢٤) المسمى: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان.

(٢٥) فقال: ((في اللغز ثماني لغات: لُغْز بضم اللام وسكون الغين، ولُغُز بضمهما، ولُغَز بضم اللام وفتح الغين، ولَغْز بفتح اللام وسكون الغين، ولَغَز بفتحهما، والغُوزة بضمْ الهمزة وسكون اللام وضم الغين، ولغُيزي بضم اللام وتشديد الغين مع القصر، ولغيزاء مثل الأول إلا أن الغين مخففة ومفتوحة والألف ممدودة)). وفيات الأعيان ٢٥٦/٦، طبعة دار صادر بتحقيق الدكتور إحسان عباس.

(٢٦) أبو الحسين يحيى بن أبي علي بن منصور بن الجراح، ولد سنة ٥٤١هـ، وتوفي سنة ٦١٦ هـ بدمياط، كان فاضلاً أديبًا متقنًا، له شعر فائق ورسائل أنيقة.

ينظر: وفيات الأعيان ٢٥٤/٦ طبعة دار صادر.

16

كتاب الطهارة(٢٧)

مسألة: مضمضة واستنشاق حكمنا بحصولهما من غير إدخال ماء إلى الفم والأنف مع وجود الماء والقدرة على استعماله.

وصورتها: في غسل الميت فإنهم قالوا: يوضأ وضوءًا للصلاة.

وقال ابن أبي موسى(٢٨) في الإِرشاد(٢٩): ويصب الماء على فيه وأنفه كالمضمضة والاستنشاق من غير أن يدخل الماء في فيه وأنفه؛ [أو نقول: وضوء صح من غير مضمضة واستنشاق(٣٠)].

***

(٢٧) في ب، جـ: بإضافة: ((إلى الصلاة)).

(٢٨) محمد بن أحمد بن محمد بن أبي موسى، انتهت إليه رئاسة المذهب، وكانت له حلقة في جامع المنصور، من مؤلفاته: الإِرشاد، شرح الخرقي، وغيرها. ولد سنة ٣٤٥هـ وتوفي سنة ٤٢٨هـ.

ينظر في ترجمته: شذرات الذهب ٢٣٨/٣، طبقات الحنابلة ١٨٢/٢، المنتظم ٩٣/٨.

(٢٩) ورقة ٦٦ من مخطوط لكتاب الإِرشاد، ينتظم ٣٢٦ صفحة، بواقع ٢٥ سطرًا تقريبًا في الصفحة الواحدة، تم الفراغ من نسخه سنة ٨٩٢هـ. واسم الكتاب كاملاً: ((الإِرشاد إلى سبيل الرشاد))، وضعه مؤلفه استجابة لمن سأله أن يكتب جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، وما تنطق به الألسنة، وتعتقد الأفئدة، وتعمله الجوارح مما يتصل بالواجب من ذلك، ومن السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها، وشيئًا من الآداب منها، وجملة من الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -.

(٣٠) ساقط من ب، جـ.

17

مسألة: وضوء صح مع قيام المانع منه وهو زوال العقل.

وصورته: في وضوء الميت فإنا إذا قلنا بوجوبه على أحد الوجهين، فإنه لا فائدة في الوجوب في هذا الموضع إلا الصحة إذا فعل والإِثم (٣١) إذا ترك، والله تعالى أعلم.

***

مسألة: وضوء لا يجزىء فيه الغسل مرة مرة بل لابد من مرتين.

وصورته: فيما إذا اشتبه الماء الطهور بالطاهر، وقلنا: يتوضأ وضوءًا واحدًا فإنه يغسل من هذا بغرفة ومن هذا ((غرفة)) (٣٢).

*** مسألة: طهارة شرعية يستحب فيها التنشيف.

وصورتها: في غسل الميت فإنه يستحب تنشیفه لئلا تبل أکفانه، زاد في الفصول (٣٣) في التعليل: ((ولأن ذلك من إكمال الغسل في حق الحي فيجب أن يستعمل في حق الميت)). انتهى.

وما ذكره في الفصول فيه نظر من وجهين:

أحدهما: أن التنشيف في حق الحي ((ليس)) (٣٤) من إكمال غسله.

الثاني: أنه صرح باستحبابه أولاً، وقال في التعليل آخرًا:

(٣١) في ب، جـ ((وإلا أثم)).

(٣٢) في ب، جـ ((بغرفة)).

(٣٣) ويسمى: كفاية المفتي في الفقه، يقع في عشر مجلدات، تصنيف أبي الوفاء علي بن محمد بن عقيل المتوفى سنة ٥١٣هـ. ويوجد في مكتبة جامعة الإمام أحد أجزاء الكتاب برقم ٩٥٤ف. ينظر: المنهج الأحمد ٢٠٦/٢، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٢٠٩.

(٣٤) ساقطة من ((أ)).

18

فيجب أن يستعمل، اللهم إلا أن يكون في النسخة غلط. واعلم أن الأكثر لم يذكروا في استحباب التنشيف خلافًا، لكن ذكر في الفروع (٣٥) في أثناء ((باب))(٣٦) غسل الميت رواية بكراهية تنشيف الأعضاء كدم الشهيد.

***

مسألة: هل يصح الوضوء وعلى أعضائه شيء لاصق يمنع من وصول الماء مع القدرة على إزالته من غير ضرر أم لا؟

الجواب: يصح في صورة، وهي إذا كان المانع وسخًا يسيرًا تحت أظفاره على أحد الوجهين، أطلقهما صاحب الفروع (٣٧)، لكن صحح في الرعاية الكبرى (٣٨) العفو (٣٩)، وتبعه صاحب الفروع في

(٣٥) جـ ٢ ص ٢١٢ بلفظ: ((وذكروا رواية كراهة تنشيف الأعضاء لدم الشهيد)).

(٣٦) ساقطة من ((أ)).

(٣٧) فقال في جـ ١ ص ١٥٣: ((وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء ففي صحة طهارته وجهان)).

وصاحب الفروع هو: أبو عبدالله شمس الدين محمد بن مفلح الصالحي الحنبلي، تفقه في المذهب وبرع فيه، من مصنفاته: الآداب الشرعية الكبرى والوسطى والصغرى، وشرح المقنع، وحاشية المقنع، والفروع وغيرها، ولد سنة ٧١٠هـ، وتوفي سنة ٧٦٣هـ في دمشق.

ينظر في ترجمته: الدرر الكامنة ٣٠/٥، النجوم الزاهرة ١٦/١١، شذرات الذهب ١٩٩/٦.

(٣٨) للشيخ نجم الدين ابن حمدان الحراني، المتوفى سنة ٦٩٥هـ، تقع في ثلاثة مجلدات؛ حشاها بالروايات الغريبة التي لا تكاد توجد في الكتب الكثيرة، وفيها نقول كثيرة لكنها غير محررة.

ينظر: المدخل لابن بدران ص ٢٢٩، وكشف الظنون ١ /٩٠٨.

(٣٩) ينظر: تصحيح الفروع للمرداوي جـ ١ ص ١٥٣.

19