Hikmat Gharb
حكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي
Genres
discourse ، حيث يمكن أن يكون شخص مناقضا لشخص آخر، أو بعبارة أدق، حيث يمكن أن تكون قضية مناقضة لقضية أخرى. أما في عالم الوقائع اليومية فليس ثمة تناقض. فالواقعة لا يمكن أن تكون مناقضة لأخرى، أيا كان الرأي الذي تقول به عن العلاقة بين اللغة والعالم. وهكذا فإن الفقر والغنى ليسا متناقضين، بل هما مختلفان فحسب.
ولكن، نظرا إلى أن هيجل ينظر إلى العالم نظرة روحية، فإنه يتجه إلى تجاهل هذا التمييز الأساسي. وفضلا عن ذلك فمن السهل وفقا لهذا الرأي، أن ندرك السبب الذي يؤدي إلى تطبيق الجدل، لا بوصفه أداة لنظرية المعرفة فحسب، بل أيضا من حيث هو وصف مباشر للعالم، ولو شئنا أن نعبر عن ذلك بلغة أكثر تخصصا، لقلنا إن هيجل لا يعطي منهجه مكانة إيستمولوجية (متعلقة بالمعرفة) فحسب، بل يعطيه أيضا مكانة أنطولوجية (متعلقة بالوجود)، وهذا هو الأساس الذي يقدم هيجل بموجبه تفسيرا جدليا للطبيعة. ولقد تحدثنا من قبل عن اعتراض شلنج على هذا الجدل. ولكن الماركسيين قد تبنوا هذا الهراء بكامله، فيما عدا أنهم وضعوا المبادئ المادية التي قال بها «لامتري» محل تأكيد هيجل المتحيز لجانب العقل.
وهناك مظهر غريب آخر للتحيز، ينبثق عن المنهج الجدلي، هو ولع هيجل بالرقم ثلاثة، إذ يبدو أن كل شيء يخضع لهذا الرقم لمجرد أن قوام الجدل هو تلك الخطوات الثلاث، الوضع ونقيضه والمركب، وهكذا فكلما احتاج شيء ما إلى تقسيم، وجدنا هيجل يقسمه إلى ثلاثة، ففي العرض الذي قدمه للتاريخ، مثلا، يميز العالم الشرقي، ثم عالم اليونان والرومان، وأخيرا عالم الألمان، أما الباقون فلا يكاد يعمل لهم أي حساب. وبالطبع فإن هذا أمر مقبول إذا نظر إليه من زاوية التناسق والتماثل
symmetry ، أما من حيث هو منهج للدراسة التاريخية فإنه لا يبدو مقنعا على الإطلاق. وبالمثل نجد في الموسوعة، نقشا ثلاثيا، يناظر المراحل الثلاث للروح. فهناك أولا الوجود في ذاته، الذي ينبثق عنه المنطق ، ثم تمر الروح بمرحلة خروج عن ذاتها، تكون خلالها في حالة تغاير، وهي المرحلة التي تناقش في فلسفة الطبيعة. وأخيرا تكمل الروح رحلة الذهاب والإياب الجدلية وتعود إلى ذاتها، وتناظر هذه المرحلة فلسفة الروح، وينظر هيجل إلى هذه العملية كلها على أنها مثلث جدلي، ولكن هذا نوع من التنظير يجافي العقل السليم إلى حد أن أنصار هيجل أنفسهم لم يعودوا يحاولون الدفاع عنه.
ولكن من واجبنا، بعد أن أبدينا هذه الملاحظات النقدية، ألا نغفل عما له قيمة في فلسفة هيجل، فمن الملاحظ أولا، فيما يتعلق بالجدل، أن هيجل يبدي هنا استبصارا عميقا فيما يتعلق بالمسارات التي يتبعها العقل، إذ إن العقل كثيرا ما يسير على أساس هذا النموذج الجدلي، ويمكن القول إن الجدل، من حيث هو إسهام في سيكولوجية النمو العقلي، ينم، إلى مدى معين، عن قدرة على الملاحظة اللماحة. وثانيا فإن الهيجلية تؤكد أهمية التاريخ على نحو ما ألمح إليها «فيكو» قبل ذلك بقرن من الزمان، غير أن الطريقة التي يعرض بها هيجل موقفه يشوبها افتقار إلى الدقة في استخدام الألفاظ، وربما كان هذا يرتبط بتصور شاعري معين للغة ذاتها. فمثلا حين يقول هيجل إن الفلسفة هي دراسة تاريخها ذاته، ينبغي أن ننظر إلى هذه العبارة في ضوء المبدأ الجدلي، فهيجل يقول إن الفلسفة تنمو بالضرورة وفقا للنموذج الجدلي، ومن ثم فإن دراسة الجدل، الذي هو المبدأ الأساسي في الفلسفة، تبدو مطابقة لدراسة تاريخ الفلسفة. ولا شك أن هذا تعبير شديد الالتواء عن الفكرة القائلة إن الفهم الصحيح للفلسفة يحتم معرفة شيء عن تاريخها، وهو رأي قد لا يوافق عليه المرء، ولكنه قطعا ليس لغوا فارغا. والواقع أن هيجل كثيرا ما كان يتلاعب، في صياغاته، بالمعاني المختلفة للألفاظ، بل إنه كان يرى أن للغة نوعا من العقل الكامن الذي هو أسمى من عقول من يستخدمونها. ومن الغريب حقا أن هناك رأيا قريبا جدا من هذا يقول به فلاسفة اللغة العاديون في أكسفورد في أيامنا هذه.
أما بالنسبة إلى الوضع التاريخي، فقد رأى هيجل أن المطلق في متناول أيدينا، لذلك كان من الطبيعي تشييد مذاهب فلسفية كانت في رأيه تأتي دائما بصورة لاحقة، بعد أن تكون الأحداث ذاتها قد وقعت. وقد عبر عن ذلك بصورة بارعة إلى أبعد حد في مقدمة فلسفة القانون، حين قال: «إن بومة منيرفا لا تبدأ تحليقها إلا حين يحل الغسق.»
12
إن الفلسفة الهيجلية تستلهم مبدأ عاما يعاود الظهور على مر تاريخ الفلسفة: هو أن من المستحيل فهم أي جزء من العالم ما لم ينظر إليه في إطار الكون ككل، ومن ثم فإن الكل هو الحقيقة الوحيدة.
هذا الرأي كان موجودا من قبل لدى السابقين لسقراط. فعندما ذكر بارمنيدس أن الكون كرة ساكنة، كان يحاول التعبير عن شيء من هذا القبيل، كذلك فإن الفلاسفة الرياضيين في المدرسة الفيثاغورية أشاروا إلى هذه الفكرة تلميحا عندما قالوا إن الأشياء كلها أعداد. وفي وقت أقرب إلينا، كان إسبينوزا يمثل الرأي القائل إن الكل وحده هو الحقيقي بالمعنى المطلق. ثم جاء الفيزيائيون الرياضيون فساروا في طريق التراث الفيثاغوري، وكان بحثهم عن الصيغة الواحدة العليا التي تفسر الكون بأكمله مدفوعا بهذا الاعتقاد نفسه. ومن أمثلة ذلك، التقدم الباهر الذي أحرزته فيزياء نيوتن، والذي بلغ ذروته في نظريات كونية مثل نظرية لابلاس. على أنه ليس من الصعب أن يثبت المرء بطلان الفكرة المثالية المتعلقة بنسق يضم الكون بأسره. وفي الوقت ذاته فمن الخطأ رفضها كلية دون محاولة لتبين ما ترمي إليه، حتى ولو كان ذلك بطريقة غامضة غير محددة المعالم.
إن المسألة الهامة هي أن مذهب المثاليين يعبر بطريقة صحيحة، في جانب معين منه، عما تطمح إليه النظرية العلمية. ذلك لأن مشروع العلم يهدف بالفعل إلى توسيع فهمنا المنهجي للطبيعة بطريقة تزداد اتساعا على الدوام. وهكذا يلقي الضوء على الارتباطات المتبادلة التي لم يكن أحد ينتبه إليها من قبل، ويدرج عددا متزايدا على الدوام من أحداث الطبيعة في إطار نظرية تؤلف نسقا متكاملا، ولا يكون لهذا التطور، من حيث المبدأ، أي نهاية . وفضلا عن ذلك فإن النظرية العلمية لا تسمح بأية استثناءات، وإنما ينبغي أن تنطبق على نحو شامل؛ فهي إما كل شيء وإما لا شيء. وهكذا يمكن القول إن المذهب أو النسق الذي يقول به المثالي هو نوع من المثال الأفلاطوني للعلم ككل، وهو علم إلهي كما تصوره ليبنتس. والواقع أن ارتباط كل شيء على نحو ما، بكل شيء هو، من بعض النواحي، حقيقة معترف بها، ولكن ليس من الصحيح أن الأشياء تتغير بارتباطها بالأشياء الأخرى. وهكذا فإن تلك الطريقة في النظر إلى العلم ترتكب خطأ فادحا في هذه المسألة الثانية، وهي أيضا على خطأ حين تحاول إظهار المسألة كلها وكأنها نتاج تم وانتهى مع أن من السمات المميزة للبحث العلمي استحالة أن تكون له نهاية. ويبدو أن الموقف الهيجلي مرتبط إلى حد كبير بالنزعة التفاؤلية العلمية التي سادت في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، حين اعتقد الجميع أن الإجابات عن جميع الأسئلة أصبحت قريبة المنال، ثم ثبت فيما بعد أن هذا وهم، كما كان يمكن أن يتوقع المرء منذ البداية.
Page inconnue