Hikmat Gharb
حكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي
Genres
عام 451م. ولو لم يكن سيريل قد مات في الوقت الذي مات فيه، لكان الأرجح أن يصبح مهرطقا من القائلين ببدعة الطبيعة الواحدة، بدلا من أن يرسم قديسا، ولكن على الرغم من الجهود التي بذلتها المجالس المسكونية، من أجل وضع معايير للتدين القويم، فقد استمرت البدع، وخاصة في الشرق. ولا شك أن من الأسباب التي أتاحت للإسلام فيما بعد أن يحرز نجاحه الساحق، تشدد السلطة الدينية الرسمية إزاء الكنائس التي كانت تدين بآراء تعتبرها هرطقة.
أما في إيطاليا فإن الغزاة القوط لم يدمروا النسيج الاجتماعي تدميرا أعمى؛ ذلك لأن تيودوريك، الذي حكم حتى موته في عام 526م، احتفظ بالإدارة المدنية القديمة. ويبدو أنه كان معتدلا في المسائل الدينية. وقد كان هو ذاته يؤمن بالمذهب الأرياني، ويبدو أنه تسامح مع العناصر غير المسيحية التي ظلت باقية، وخاصة بين العائلات العريقة في روما. فقد كان بويتيوس المنتمي إلى الأفلاطونية المحدثة وزيرا لتيودوريك. أما الإمبراطور جستين الأول فكان أضيق أفقا؛ ولذا أصدر في عام 523م أمرا ينص على أن الهراطقة الأريانيين خارجون عن القانون، وهي خطوة أحرجت تيودوريك؛ لأن أراضيه الإيطالية كانت كاثوليكية متمسكة، على حين أن قوته الخاصة لم تكن كافية للصمود في وجه الإمبراطور. ونظرا إلى أنه كان يخشى وقوع مؤامرة بين أنصاره أنفسهم، فقد أمر بسجن بويتيوس وإعدامه في عام 524م. ومات تيودوريك عام 526م، ثم جستين في العام التالي، وخلفه جستينيان الأول.
وكان جستينيان هو الذي أمر بجمع مواد القانون الروماني في مجلدين شاملين؛ أحدهما كبير ويعرف باسم
Codex ، والآخر صغير ويعرف باسم
Digests . ولقد كان جستينيان من أقوى أنصار العقيدة الرسمية. ولذا أمر في أوائل سني حكمه، أي في عام 529م، بإغلاق الأكاديمية في أثينا، بعد أن ظلت قائمة بوصفها معقلا أخيرا للتراث القديم، وإن كانت تعاليمها في ذلك الحين قد أصبحت مائعة إلى حد بعيد نتيجة لاختلاط عناصر صوفية أفلاطونية جديدة بها. وفي عام 532م بدأ تشييد كنيسة القديسة صوفيا في القسطنطينية، وظلت هي مركز الكنيسة البيزنطية إلى أن سقطت في أيدي الأتراك عام 1453م.
ولقد كانت تيودورا زوجة الإمبراطور الشهيرة تشاركه اهتماماته الدينية، وكانت سيدة لها ماض عابث، كما أنها كانت من الأنصار المتحمسين لفكرة الطبيعة الواحدة للمسيح. ومن أجلها خاض جستينيان المعركة المعروفة باسم «معركة القسس الثلاثة».
ففي قلقدون أعلن انتماء ثلاثة آباء للكنيسة لهم ميول نسطورية إلى العقيدة الرسمية، وكان في ذلك إهانة صارخة لآراء القائلين بالطبيعة الواحدة. فأمر جستينيان بإعلان هرطقة الرجال الثلاثة، مما أثار مناقشات طويلة في الكنيسة. وفي نهاية الأمر وقع هو ذاته في الهرطقة؛ إذ أخذ بالرأي القائل إن جسد المسيح لا يفنى، وهو رأي يمثل نتيجة من نتائج مذهب الطبيعة الواحدة.
وقد بذلت في عهد جستينيان محاولة أخيرة لاسترداد المقاطعات الغربية من مغتصبيها البرابرة. فهوجمت إيطاليا عام 535م، وظلت الحرب تمزقها قرابة ثمانية عشر عاما. كذلك أعيد فتح شمال أفريقيا، ولكن الحكم البيزنطي أثبت أنه نعمة غير مضمونة. وعلى أية حال، فإن قوى بيزنطة لم تكن أهلا لمهمة استعادة الإمبراطورية كلها، على الرغم من أن الكنيسة كانت في صف الإمبراطور. وتوفي جستينيان عام 565م، وبعد ثلاث سنوات تعرضت أيدي لهجوم جديد من البرابرة. وتمكن الغزاة اللومبارديون من احتلال المناطق الشمالية بصفة دائمة، وأصبحت هذه المناطق تعرف باسم لومبارديا. وظل اللومبارديون لمدة قرنين يكافحون البيزنطيين، الذين انسحبوا في نهاية الأمر بعد أن تعرضوا لضغط العرب من الجنوب. وسقطت رافينا آخر معقل بيزنطي في أيدي، في أوائل اللومبارديين عام 751م.
إن ظهور شخصية مثل بويتيوس خلال الفترة التي نتحدث عنها كان ظاهرة استثنائية تماما؛ إذ لم يكن مزاج العصر فلسفيا. ومع ذلك ينبغي أن نذكر تطورين أصبحت لهما نتائج هامة بالنسبة إلى فلسفة العصور الوسطى؛ أولهما: هو نمو حركة الرهبنة في الغرب، والثاني: زيادة قوة البابوية وسلطتها. ويرتبط هذان التطوران باسمي بندكت وجريجوري على التوالي.
بدأت الرهبنة في الإمبراطورية الشرقية في القرن الرابع، ولم تكن في مراحلها الأولى ترتبط بالكنيسة، وإنما كان أطناسيوس
Page inconnue