La vie du Christ : dans l'histoire et les découvertes de l'époque moderne
حياة المسيح: في التاريخ وكشوف العصر الحديث
Genres
ونعود فنقول إن إثبات الرصد لا يستلزم الإيمان باطلاع المجوس على الغيب من مراقبة الأفلاك، وكل ما يفهم، ولا يجوز أن يهمل، أن الذين كتبوا تاريخ السيد المسيح بعد عصره بنحو جيلين كانوا يتناقلون خبر تلك الظاهرة، ويؤمنون بدلالتها على أنها حدث عظيم؛ فقرنوا بينها وبين ميلاد المسيح المنظور، ولعل الأناجيل قد دونت والناس يتحدثون بقران فلكي من قبيل ذلك القران في حكم القيصر هادريان، فقد ظهر يومئذ مسيح كذاب آمن به الرباني عقبة ليدحض دعوى المسيحيين، وسماه ابن الكوكب «بار كوكبه بالعبرية»، ونقش على العملة التي سكها صورة كوكب، فعادت الذاكرة بكتاب الأناجيل إلى تلك الظاهرة الفلكية النادرة، بعد الدعوة المسيحية بنحو سبعين سنة. •••
على أن الدراسات الأخيرة في علم المقابلة بين الأديان تسوق المؤرخ الذي يكتب عن تاريخ المسيح حتما إلى مبحث عويص أدق جدا من المبحث الذي يدور حول السنة الميلادية، فإن القرن الثامن عشر قد أخرج للناس مدرسة الشك المطلق في مقررات العلم القديم ووقائع التاريخ المتواتر، فشك الكتاب في وجود الأنبياء والمرسلين، وكان الشك يتناول كل نبي، وكل صاحب دين غير محمد - عليه السلام - شكوا في بوذا كما شكوا في إبراهيم وموسى وعيسى، وسرى الشك إلى الأدب كما سرى إلى الدين، فشكوا في شخصية هوميروس، وفي شخصية شكسبير، وظن بعض المثبتين للشخصيات المتأخرة في التاريخ أنها وجدت فعلا، ولكنها لم تضع ما نسبوه إليها، ولم تكتب ما ينشر بأسمائها.
وقد زار فولتير - إمام الشاكين - بلاد الإنجليز، فوجد هناك مدرسة بولنجبروك تتحدث بغاية السهولة في شبهاتها عن وجود السيد المسيح، وكان نابليون يسأل العالم الألماني ويلاند: هل يعتقد أن المسيح شخص تاريخي وجد كما وصفوه؟ وجاء القرن التاسع عشر، وقد طغت على ميدان الدراسات الدينية موجات من الكتب التي ألفها الألمان والدنمركيون والفرنسيون والإنجليز يفندون بها أقوال المؤرخين، ويرجحون أن السيد المسيح شخصية من شخصيات الخيال، وليس من المستطاع في هذا الحيز أن نورد أقوالهم مفصلة أو مجملة في هذا الموضوع، فإن أسماء المؤلفين والمؤلفات وعناوين المسائل التي طرقوها وخلاصة البراهين التي شفعوا بها بيان تلك المسائل؛ تستغرق وحدها كتابا كهذا الكتاب، ولكننا نجترئ بتلخيص الأساسين المهمين اللذين قامت عليهما مدرسة الشك في وجود السيد المسيح، وأحدهما أنه - عليه السلام - لم يذكر في التواريخ القديمة التي فصلت أخبار عصره، والآخر أن روايات التلاميذ عنه قد سبقت روايتها عن شخصيات أخرى من شخصيات الزمن القديم، وبعضها أقرب إلى الأساطير والفروض.
أما المؤرخون الذين خصوهم بالذكر فهم يوسفوس
Josephus
وتاستيس
Tacitus
وسوتينوس
Seutonius ، وكلهم ممن أرخوا عصر الميلاد، ولم يثبتوا وجود السيد المسيح بما كتبوه عن أيامه.
نعم وردت في نسخ من تاريخ يوسفوس إشارة مقتضبة إلى «عيسى القديس»، ولكن النقاد التاريخيين يجزمون بأنها مضافة إليه، ويؤكدون أنها أضيفت بقلم أحد القراء المتأخرين الذين عجبوا لخلو التاريخ من الإشارة إلى أعظم الحوادث في ذلك العصر، فأباحوا لأنفسهم أن يضيفوا تلك الإشارة كأنها من كلام يوسفوس، على اعتبار أن الحقائق التاريخية أمانة عند من يعلمها، وليست أمانة المؤلف وحده، سواء عرفها أو لم يعرفها، وما كان من المعقول أن المؤرخ اليهودي الذي ينكر المسيحية يكتب عن رسول هذا الدين فيقول: «إنه في ذلك العهد عاش عيسى، ذلك الإنسان القديس - إن جاز أن يسمى إنسانا - بعد ما أتى به من المعجزات البينات، وعلم الناس، وتلقى الحق فاستبشر به، واتبعه كثير من اليهود والإغريق، وكان هو المسيح.»
Page inconnue