Guerre et Paix
الحرب والسلم (الكتاب الأول): إلياذة العصور الحديثة
Genres
فقال الإنجليزي: اتفقنا.
التفت آناتول إلى ستيفنس، وأمسك بزر «فراكه»، ثم هبط بنظرته نحوه - لأن الإنجليزي كان قصيرا - وراح يكرر عليه بالإنجليزية شروط الرهان، غير أن دولوخوف استنفر مجددا انتباه الموجودين، وهو يقرع بزجاجته على طرف النافذة وهتف: أصغوا إلي! دقيقة واحدة! أصغ يا كوراجين، إذا قام بعضكم بمثل هذا العمل، فإنني سأدفع له مائة روبل، هل فهمتم؟
أشار الإنجليزي برأسه أن نعم، دون أن يفهم من إشارته أنه يوافق على ذلك الرهان الجديد أم لا. راح يشير بالحركات والإشارات إلى أنه فهم المراد، غير أن آناتول لم يدعه قبل أن أنهى إليه الترجمة الحرفية للشروط؛ كافة أقوال دولوخوف. هرع شاب في مقتبل العمر - نحيل الجسم، جندي بسيط في الحرس، كان قد خسر تلك الليلة في المقامرة - إلى النافذة وأطل إلى الخارج، صرخ وهو يتأمل بلاط الشارع من عل: هو! هو! هو! ...
زمجر دولوخوف وهو يدفع الجندي نحو الغرفة: استعد!
فقفز الجندي، وقد أربكه المهمازان، فكاد أن يسقط على الأرض.
وضع دولوخوف الزجاجة على حافة النافذة لتكون في متناول يده، ثم تسلق النافذة بحذر. اعتمد بيديه على الإطار، ودلى ساقيه إلى الخارج، ثم انتقى مكانا مناسبا، فجلس وأفلتت يداه الإطار. التفت يمينا ويسارا وأمسك بالزجاجة. وعلى الرغم من أن خطوط النهار كانت قد وضحت، فإن آناتول جاء بشمعتين أوقدهما ووضعهما إلى يمين دولوخوف وشماله؛ حتى يستطيع المراقبون رؤية أية حركة تصدر عن يديه، فأضاء بذلك قميص المراهن الأبيض وشعره الأجعد، وجعله هدفا ميسور المراقبة. واحتشد المتفرجون، والإنجليزي في المقدمة، يتطلعون بلهفة. وكان بيير يضحك دون أن ينطق بكلمة. وفجأة اندفع أكبر الموجودين سنا، وعلى وجهه أمارات الغضب والذعر، وهتف وهو أكثر الحاضرين اتزانا: إنه جنون أيها السادة، سوف تدق عنقه!
وهم بإمساك قميص دولوخوف ليمنعه عن القيام بما هو في سبيله، لولا أن أمسك به آناتول وقال: لا، لا تمسه؛ لأنك ستخيفه ... فيسقط من حالق، وعندئذ ... هن؟ ...
أدار دولوخوف رأسه ليصحح من وضعيته اعتمادا على يديه، وقال وهو يدفع بالكلمات خلال شفتيه المطبقتين: إذا شاء أحد أن يتدخل في شئوني، فسأجعله يقفز من هذا الفراغ. لنبدأ الآن !
استدار نهائيا نحو الشارع بعد أن تخلى عن كل سند، ولبث في جلسة على حافة النافذة المنحرفة إلى الخارج، والزجاجة مرفوعة إلى فمه، وذراعاه إلى أعلى؛ ليحافظ بهما على توازنه. كان أحد الخدم منحنيا يجمع حطام الزجاج المتناثر، فلبث في وضعيته المنحنية، وعيناه شاخصتان إلى النافذة تلتهمان ظهر دولوخوف، وانتصب آناتول على مدى قامته وراح يحملق بعينيه. أما الإنجليزي فقد راح ينظر حوله وهو يعفر وجهه، وراح الشاب الجندي يحتمي في ركن وقد تهالك على أريكة وأدار وجهه إلى الجدار، بينما حجب بيير وجهه بيده وقد علت شفتيه ابتسامة منسية تعبر عن الذعر والخوف. وجمد المتفرجون ووجموا، فرفع بيير يده عن عينيه؛ كان دولوخوف محتفظا بوضعيته تلك، لكنه كان شديد الانحناء إلى الوراء، حتى إن خصلات شعره كانت تلامس ياقة قميصه. كانت الزجاجة تفرغ من محتوياتها، مرغمة رأس المراهن على الانحناء أكثر فأكثر، رافعة معها اليد التي تقبض عليها، وهي تهتز بحكم المجهود الذي يبذله صاحبها. أخذ بيير يحدث نفسه قائلا: «ما أطول هذه الفترة!» خيل إليه أن نصف ساعة قد انقضت منذ أن بدأ دولوخوف في عملية شرب الروم. وفجأة، قام دولوخوف بحركة عنيفة إلى الوراء؛ كانت رعدة عصبية تحرك ذراعه بما يكفي ليفقد الجسد المتمركز على الحافة المنحدرة اتزانه. راح يتأرجح بمجموع جسده؛ الرأس والذراع المتزايدة الاهتزاز بتأثير المجهود المبذول، وكادت اليد الأخرى أن تمسك بإطار النافذة، لكنها انكمشت في آخر لحظة، فأغمض بيير عينيه من جديد، وقرر ألا يفتحهما بعد ذلك، لكنه شعر فجأة بحركة غير اعتيادية حوله، ففتح عينيه متسائلا، شاهد دولوخوف وقد سحب وجهه وبان السرور عليه، واقفا على حافة النافذة.
هتف معلنا نجاحه، وهو يلقي بالزجاجة إلى الإنجليزي الذي تلقفها قبل أن تسقط على الأرض: إنها فارغة!
Page inconnue