353

Nourriture des Esprits dans l'Explication du Poème des Manières

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

Maison d'édition

مؤسسة قرطبة

Édition

الثانية

Année de publication

1414 AH

Lieu d'édition

مصر

الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ لِمَا فِيهِ السَّعَادَةُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْحُسْنَى وَزِيَادَةً، بِبَرَكَةِ يَنْبُوعِ الْحِكَمِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَمَعْدِنِ الْأَسْرَارِ الرُّوحَانِيَّةِ، النَّبِيِّ الْأَوَّابِ، مَنْ جَاءَ بِالسُّنَّةِ وَالْكِتَابِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَا دَجَتْ الْأَحْلَاكُ، وَدَارَتْ الْأَفْلَاكُ.
ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَثَّ عَلَى عُمُومِ تَحْسِينِ الْأَخْلَاقِ، وَخَصَّ الْوَالِدَيْنِ بِالْمَزِيَّةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الِاتِّفَاقُ، فَقَالَ:
مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ حُسْنِ الْخُلُقِ
وَيَحْسُنُ تَحْسِينٌ لِخُلْقٍ وَصُحْبَةٍ ... وَلَا سِيَّمَا لِلْوَلَدِ الْمُتَأَكِّدِ
(وَيَحْسُنُ) أَيْ يَجْمُلُ وَيُلَائِمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا يَشْرَعُ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا وَأُخْرَى مَنْدُوبًا. وَأَصْلُ الْحُسْنِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْجَمَالُ وَضِدُّهُ الْقُبْحُ وَهُمَا لِلشَّيْءِ بِمَعْنَى مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ كَحُسْنِ الْحُلْوِ وَقُبْحِ الْمُرِّ، فَالْحُسْنُ صِفَةُ الْكَمَالِ وَالْقُبْحُ صِفَةُ النَّقْصِ، كَحُسْنِ الْعِلْمِ وَقُبْحِ الْجَهْلِ وَذَلِكَ عَقْلِيٌّ.
وَأَمَّا تَرَتُّبُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَاجِلًا وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ آجِلًا كَحُسْنِ الطَّاعَةِ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ فَشَرْعِيٌّ فَلَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (تَحْسِينٌ لِخُلْقٍ) حُسْنُ الْخُلُقِ هُوَ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْخُلُقُ صُورَةُ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْخُلُقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ السَّجِيَّةُ وَالطَّبْعُ وَالْمُرُوءَةُ وَالدِّينُ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَطَالِعِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُلُقُ وَالْخُلْقُ السَّجِيَّةُ، وَفُلَانٌ يَتَخَلَّقُ بِغَيْرِ خُلُقِهِ أَيْ يَتَكَلَّفُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا أَيُّهَا الْمُتَحَلِّي غَيْرَ شِيمَتِهِ ... إنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ
وَفِي النِّهَايَةِ: الْخُلُقُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهَا الدِّينُ وَالطَّبْعُ وَالسَّجِيَّةُ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ صُورَةُ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ نَفْسُهُ، وَأَوْصَافُهَا وَمَعَانِيهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْخُلُقِ لِصُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَأَوْصَافِهَا وَمَعَانِيهَا، وَلَهَا أَوْصَافٌ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ.
وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرَ مَا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلِذَا تَكَرَّرَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مَدْحِ حُسْنِ الْخُلُقِ وَذَمِّ سُوئِهِ.

1 / 360