Butins des jours
غنائم الأيام
Enquêteur
عباس تبريزيان - مكتب الإعلام الإسلامي - فرع خراسان / المساعدان : عبد الحليم الحلي ، السيد جواد الحسيني
Édition
الأولى
Année de publication
1417 - 1375 ش
مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنقذنا من شفا جرف الهلكات، بمتابعة أمثل الأديان. وأرشدنا إلى سبيل ارتقاء مدارج أعلى الغرفات، باقتفاء أفضل الإنس والجان. وأوضح محجتنا في ظلم الشبه والجهالة، بإضاءة مصابيح آيات القرآن. وأفصح حجتنا في مهاوي الشكوك الفاسدة والأوهام الكاسدة، ببيان أهل العصمة، وتبيان مهابط التنزيل والفرقان. صلى الله عليه وعليهم، وعلى الأصحاب المرضيين، صلاة تبلغنا إلى منتهى الرضوان. وتسكننا منازل القدس وبحابيح الجنان.
وبعد، فهذا يا إخواني ما سمح به قلم الاستعجال، على صحائف المقال، ووسم به مياسم الفكر والخيال، على وجوه وحوش الفرص في تقاليب الأحوال.
فإني منذ تعارفت مع الزمان، فقد أخذني على طرف الخصام لدودا، وصيرني في بوادي العطلة (1) والحيرة هائما كؤودا، وصار علي في هزيمة صفوف جيوش اجتهادي مجاهدا كدودا. وكلما صافيته بوجه الإقبال، أدبر عني بتخييب الآمال.
ومهما وافيته بعرض المطالب في معرض النوال، فجبهني بالرد وناقضني ببلبال
Page 57
البال. ومتى عانقني بوجه الالتفات، فعضني بضرس النائبات. وحيثما ضيفني ببسط موائد العطيات، أطعمني بتشعبات الأمراض (1)، وسقاني بمشارب الحسرات، فرب فجيعة تدهش منها مشاعر الخواطر، ورب نزيلة ينهش قذى سمومها أناسي النواظر (2).
وكم من ضنك في العيش وضيق في المعيشة؟ وكم من بائقة لا ترضى بصحبتها العيشة؟
ومع ذلك فقد كنت أختلس من آنات غفلاته فرصا، مع ما كنت أتجرع من مشارب الإحن وكؤوس المحن غصصا (3).
وكنت شرعت في عنفوان الشباب في استنباط المسائل من مآخذها، وأخذت في تأليف كتاب يحتوي على مهمات مطالبها، وسميته كتاب مناهج الأحكام في مسائل الحلال والحرام، وقصدت فيه بيان الأدلة والأقوال، وذكر ما تبتني عليه الأحكام على التفصيل حسب ما اقتضاه الحال.
وعاقني عن ذلك بوائق الزمان وعوائق الدهر الخوان، فربما سولت لي الأيام بمخائل تبدل الحال بأرفه من الحال، وربما سوفتني النفس بتأميل حصول الفراغ والوقت الآمن من القلق والزلزال.
فاستصحبتني تلك الشيمة إلى الحين، وقد جاوزت الآن من الأربعين، ولم نكتب منه بالظن والتخمين، إلا مثل العشرة بالنسبة إلى الستين، على تفرق في الأبواب، حسب ما ساعدتني الأسباب، واتفق لي سهولة جمع المسائل في ذلك الباب.
ثم قد رأيت ولى الشباب، وألم المشيب، وولى وجه المحبوب، وتدلت شدائد قهر
Page 58
الرقيب، وطار غراب الأمل عن الهامة، وعشش البوم، وذهب يمن الأيام بأدراج رياح الخيبة، وبقي منها الشؤم، وخفت عدم مساعدة العمر والأسباب لختم ذلك الكتاب، وسيما مع قصور همم أهل الزمان عن مراجعة مثله، وعدم إقبالهم إليه بسبب الإطناب، فأخذت في تأليف هذه العجالة كهيئة العجلان، واقتصرت فيه بأقل ما يقتضيه الوقت، ويساعدني الزمان.
ثم اعلم يا أخي: إني لم أقصد من شكواي إلا النصح لك في عدم الاغترار، وإياك وأن تسوف في طلب حصول الفراغ وتيسر القرار، فإن الراحة لم تخلق إلا في الجنة، والفراغ والاطمئنان لم يودعا في دار البلاء والمحنة، واغتنم نفسا بعد نفس، وإن كنت في غاية اضطراب ووجس، سيما في مثل هذا الزمان، الذي غلبت عليه أحزاب الشيطان، ورفعت فيه أعلام الجهل والطغيان، وولت عنه آيات (1) العلم والعرفان، واستمرت به تلك الشيمة والسجية حتى كاد أن تكون أيام الجاهلية.
هذا وإني كالآيس من إتمام ما أنا فيه إلا من روح الله، فكيف أقول برجاء إتمام الكتاب الكبير بعد ذلك إلا أن يشاء الله.
فشرعت فيه بحول الله وقوته، مستعينا في إتمامه بعونه ومنه، وسميته كتاب " غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام ".
جعلته على أقسام أربعة، في كل قسم منها كتب.
Page 59
القسم الأول في العبادات
Page 61
وهي: ما تحتاج صحتها إلى النية. والمكلف بها هو البالغ العاقل. والمندوب ليس بتكليف كما حقق في محله.
عبادات الصبي المميز (1) شرعية على الأقوى، لأن الأمر بالأمر أمر عرفا، والقرينة نافية للوجوب، فيبقى الاستحباب. وللزوم الظلم عليه تعالى عن ذلك لو خلا عمله عن الثواب.
حجة القائل بكونها تمرينية: كونه غير مكلف، وخطاب الشرع إنما يتعلق بالمكلفين، وأنه لو كان الأمر بالأمر أمرا لكان قولك لآخر: " مر عبدك بالتجارة " عدوانا.
الجواب عن الأول: أن المندوب ليس بتكليف، وتحمل مشقة الندامة على ترك الفعل للحرمان عن ثوابه ليس مشقة على الفعل المكلف به، وهو المراد من ظاهر التكليف (2).
عن الثاني: منع انحصار الحكم الشرعي فيه كما حقق في محله (3).
عن الثالث: بأن القرينة قائمة على كونه للارشاد.
أما استحباب تمرين الولي فلا إشكال فيه. والأخبار في مبدئه مختلفة، محمولة على
Page 63
مراتب التأكيد.
ثم لا إشكال في اشتراط البلوغ والعقل في التكليف، للاجماع، والأخبار (1)، والاعتبار. وإنما الإشكال في حد البلوغ، وله علامات:
الأولى: خروج المني معتادا مطلقا للذكر والأنثى، بالإجماع، والأخبار (2)، وقوله تعالى: * (حتى إذا بلغوا النكاح) * (3) و * (لم يبلغوا الحلم) * (4) ونحوهما مؤول بذلك، ولا يكفي الاستعداد.
والثانية: إنبات الشعر الخشن على العانة، للاجماع، والأخبار (5). والحكم معلق (6) عليه في الأخبار، فما ذهب إليه المشهور " من كونه علامة لسبق البلوغ، لأن الأحكام متعلقة بالاحتلام، فلو كان غيره أيضا بلوغا لم يختص الحكم بذلك " (7) فيه ما فيه. و كما أن السن مخصص لذلك فكذلك الإنبات. مع أنه منقوض بما لم تسبقه إحدى العلامات جزما.
وأما شعر الإبط والفخذ وغيرهما، فلم يعتبره الأصحاب. وفي شعر اللحية قول بالبلوغ (8)، ويشعر به بعض الأخبار (9)، ولا يخلو من قوة.
والثالثة: السن، والأقوى إكمال خمس عشرة سنة للذكر، وتسع للأنثى. للأصل،
Page 64
والأخبار المعتبرة (1)، وظاهر دعوى الاجماع من كنز العرفان في الأول (2)، وصريحها في الثاني من ابن إدريس، حيث شنع على القائل " بكون كمال العشر بلوغا للأنثى " بمخالفة الاجماع على التسع (3).
وقيل بإكمال أربع عشرة في الذكر (4) لرواية غير واضحة (5)، وقيل بالدخول فيه (6) لأخبار معتبرة الأسناد (7)، معارضة بأقوى منها.
وأما الحيض والحمل فيثبت بهما البلوغ، للاجماع، والأخبار.
والمشهور والمعروف من الأصحاب كونهما مع ذلك علامة لسبق البلوغ.
فإن الحيض لا يكون إلا بإكمال التسع بالاجماع، فإمكان الحيض موجب للحكم بكونه حيضا كما سيأتي، والحكم بكونه حيضا دليل على سبق إكمال التسع، لأن الحيض لا يكون إلا بعد إكماله. لا أنه لا يجوز الحكم بالحيض إلا بعد العلم بإكماله حتى يلزم الدور، فالكلام فيما جهل السن وحكم بكون الدم حيضا مع إمكانه.
وأما الحمل فلأنه مسبوق بالانزال.
ويرد على الأول أنهما قد يتقارنان في الوجود.
وعلى الثاني - مضافا إلى ذلك - أن الإنزال الذي هو نفس البلوغ: هو الخروج من الفرج، لا النزول في الرحم، ولا الاستعداد كما مر، إلا أن يقال بعدم إمكان الحمل قبل
Page 65
إكمال التسع، فهو أيضا مسبوق به، فحينئذ يرد عليه إمكان المقارنة في الوجود بالنسبة إلى بلوغ التسع.
ويمكن الاعتذار عن ذلك: بأن السبق أعم من السبق بالعلية كحركة اليد والمفتاح، فحينئذ يبقى النزاع بلا فائدة يعتد بها.
والفائدة التي ذكروها هي صحة العقد منها إذا وقع متصلا بالحيض وانعقاد النطفة، وقل ما يحصل العلم بذلك، ولعل نظرهم إلى ترجيح الظاهر على الأصل، وهو وجيه.
ثم إن الأخبار الكثيرة المختلفة في وجوب الصلاة بالستة والثمانية والتسعة للذكر، وبحصول خمسة أشبار، وحصول البلوغ بالعشر إذا كان بصيرا، محمولة في العبادات على التمرين ومراتبه. وقد يعمل على بعضها في غير العبادات، كالوصايا والحدود، كما يجئ في أبوابها، والظاهر أنها من باب الوضع، لا أن البلوغ والتكليف يختلف بحسب الموارد. وأما العبادات فالأقوال في ثبوت الأحكام فيها منحصرة فيما ذكرنا، فلنشرع في العبادات مقدما للأهم.
Page 66
كتاب الطهارة هو يستدعي رسم مقدمة وفصول:
Page 67
أما المقدمة فالطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة، وفي الاصطلاح: اسم للوضوء والغسل والتيمم.
والأظهر أنها حقيقة فيما يبيح الصلاة منها، بل ما لا يجامع (1) الحدث الأكبر على إشكال، للتبادر، وصحة السلب عن غيرها.
بل الظاهر كونها حقيقة شرعية في ذلك أيضا، سيما في زمان الصادقين ومن بعدهما عليهم السلام، للاستقراء، ونفي اسم الطهارة عن وضوء الحائض في بعض الأخبار.
والأظهر كونها حقيقة في إزالة الخبث أيضا، فتكون مشتركة.
ثم على الأول: الأظهر كونها مشككة، لا مشتركة بين الثلاثة، ولا متواطئة، ولا حقيقة في المائية مجازا في الترابية.
وكل منها ينقسم إلى واجب وندب:
فالواجب من الوضوء ما كان لصلاة واجبة، أو طواف واجب، أو لمس كتابة القرآن إن وجب.
Page 69