قال: بل هو الذي يسعى إليك، تربصي ريثما أدعوه إليك. قال ذلك وخرج وهي لا تزال تحسبه يعبث بها، ولكنها سارت في أثره، فما كاد بصرها يقع على الرجلين حتى عرفت عبد الرحمن، فأسرعت نحوه، وأسرع هو نحوها حتى تقابلا، فرمت نفسها بين ذراعيه فضمها ودموعها تتساقط من شدة الفرح، وعامر والشيخ واقفان وقلباهما يرقصان فرحا.
ثم دخلوا جميعا إلى القصر ويد سلمى في يد عبد الرحمن، وعامر لا يزال يفكر في أمر الناسك ومشابهته رجلا يعرفه.
ولما دخلوا الحجرة جلسوا يقصون ما مر بهم من الحوادث.
فبدأ عامر يقص ما أصابه وأصاب عبد الرحمن منذ ذهبا إلى الكوفة، فقال: ذهبنا إلى الكوفة للبحث عن أمر مسلم بن عقيل، فقبضوا على رفقائنا ونجونا نحن واختفينا في مكان ريثما نرى ما يكون من أمر الحسين ورجاله، فلما علمنا بمقتلهم وإرسال أهلهم إلى دمشق اقتفينا أثرهم إليها فقيل لنا إنهم أرسلوهم إلى المدينة، وكان اليأس قد أخذ منا مأخذا عظيما؛ لاعتقادنا بموت الحبيبة سلمى، مع حبوط مسعانا في نصرة الحسين، وسرنا إلى المدينة فأقمنا فيها حينا، ولم يتفق لنا لقاء زينب إلا بعد وقعة الحرة التي أتم بها يزيد فظائعه.
وكنت في أثناء هذه الوقعة مع أهل البيت، وقد أوصى بهم يزيد خيرا هذه المرة فلم يصابوا بسوء، فلما انقضت المذبحة لقيت زينب فسألتني: هل لقيت سلمى؟ ثم أخبرتني بما كان من أمرها، وبأنها فارقتها آخر مرة خارج دمشق، فركبنا إلى دمشق وبحثنا عنها فلم ينبئنا منبئ بخبرها، ولكننا فهمنا في أثناء البحث أنك كنت هنا في ذلك الوقت، فترجح لنا أنكما سرتما معا، وبعد التحري علمنا من بعض القادمين من بحيراء إلى دير خالد أنك تقيم إلى جانب بصرى، فجئنا لعلنا نراك ونبحث عن سلمى، فالحمد لله على هذه الصدفة الغريبة.
وقصت سلمى ما اتفق لها منذ كانت في قصر يزيد إلى آخر حديثها.
وقص الناسك ما كان من وقعة كربلاء، حتى أتى على حديث الأمس وجرعة العسل فابتدرته سلمى قائلة: لم تخبرني بعد عن سبب تغير سحنتك.
قال: هذا لا أخبرك به الآن، ولكنني أخبرك بسبب تأخري عن الرجوع؛ ذلك أني لما خرجت لجلب الطعام، رأيت أن أستطلع عاقبة تلك الكأس، فهرعت إلى بصرى لأتنسم الأخبار، فعلمت أن يزيد ركب في ذلك الصباح وهو يشكو جنبيه، وقد أصابته بحة، وهي أول أعراض ذلك السم، وما أظنه إلا مائتا قريبا فينجو الإسلام والمسلمون من خلافته.
وكان الشيخ يتكلم وعامر يتأمل في ملامحه وحركاته؛ لمشابهته رجلا يعرفه، فلما سمعه يذكر قرب موت يزيد، شغله الفرح بذلك عن كل شاغل، وكذلك عبد الرحمن وسلمى، وباتوا تلك الليلة ولم يناموا إلا قليلا لشدة الفرح.
وفي ضحى اليوم التالي عاد رسولهم الذي أنفذوه إلى بصرى فسألوه عما وراءه فقال: لم أجد الشيخ الناسك، ولكني سمعت بموت يزيد على حدود حوران.
Page inconnue