Les Illuminations de La Mecque
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Maison d'édition
دار إحياء التراث العربي
Édition
الأولى
Année de publication
1418هـ- 1998م
Lieu d'édition
لبنان
يراجعك من عرش وإن شاء من عمى . . . بغير هواء حار في كونه فكري قال تعالى ' ثم قضى أجلا ' وهو النهاية عمر كل حي يقبل الموت وأجل مسمى عنده وهو ميقات حياة كل من كلن قبل الموت في حيات الأولى وهو المعبر عنه بالبعث ولذلك قال تعالى ' ثم أنتم تمترون ' يعني فيه فإن الموت لا يمترون فيه فإنه مشهود لهم في كل حيوان مع الأنفاس وإنما وقعت المربة في البعث وهو الأجل المسمى المذكور وإنما لم يجعل أجل الموت مسمى لأن الله يقول ' ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ' فاستثنى طائفة لا يصعقون فلا يموتون فإما أن يكونوا الكونهم على حقائق لا تقبل الموت فيكون استثناء متصلا فاعلم أيها السامع أن أهل الله إذا جذبهم الحق إليه سبحانه من مريد ومراد جعل في قلوبهم داعية إلى طلب سعاتهم فبحثوا عليها وفحصوا عنها ووجدوا في قلوبهم رقة وخشوعا وطلبا للسلامة مما الناس عليه من التكلب والتحاسد والتدابر والتنافر فإذا وفوا مكارم الأخلاق أو قاربوا ذلك وجدوا في أنفسهم داعية إلى الخلوات والإنفراد عن الاس فمنهم من أخذ في السياحة ولازم الجبال والفلوات ومنهم من كانت سياحته في البلاد كل ما أنس به أهل بلدة أو عرف فيها رحل عنها إلى غيرها ومنهم من عزل في مسكنه بيتا وانفرد به واحتجب عن الناس كل ذلك ليقع له التفرد بالحق الذي دعاه إليه والإنس به لا ليعلم ولا ليجد كونا من الأكوان من خرق عادة في ظاهر الحس أو في سره فلا يزال على كل ما ذكرناه إلى أن ينقدح له في نفسه لبعضهم أو في خياله لبعضهم أو من خارج لبعضهم من جانب الحق ما يحول بينه وبين نفسه ويستوحش من ذلك الوارد عليه وطلب الإنس بالمخلوقات في تلك الساعة فإذا سكت حكم الوارد عنه وعاد إلى حسه اشتاق إليه اشتياقا شديدا واستفرغ في محبة ذلك الوارد استفرغا عظيما ووجد حلاوته عند فقده وسرت اللذة في حسه وروحه ويأنيه في ذلك الوارد خطاب وتعريف بحاله أو بما يدعي إليه كابراهيم بن أدهم حين نودي من قربوس سرجه ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت وآخر قيل له إن كنت تطلبني فقد فقدتني في أول قدم وآخر قيل له أنت عبدي فإن كان صاحب هذا الإنقطاعمن أصحاب الجبال والقفار جعل له الإنس في الحيوان وإن كان سائحا في البلدان جعل الله له الإنس في الحركة ما بين المدينتين وإن كان ممن لزم بيته جعل له الإنس في الروحانيات وكل هذا ابتلاء إلا أن يجعل الله له الإنس في الأرواح النورية الملكية فهذا يرجى فلاحه بل يتحقق وهي بشرى من الله سارعت إليه عناية منه به وما عدا هذا فهو على خطر عظيم فليعمل في قطعه ثم أنه منهم من يظلم عليه الجو عند الوارد فيجد لذلك غما وضيق صدر وعصرا في قلبه فليصبر فإنه يعقبه اتساع وانشراح ثم لا تزال الأرواح تلزمه في عالم خياله في أكثر حالاته وتظهر له في الحس في أوقات فلا يرمي بذلك ولا يزهد فيه ويتعمل في إزالة التعلق به ويقف مع الفائدة التي يأتيه بها فذلك المطلوب فإن سمع خطابا من وراء حجاب نفسه فليلق السمع وهو شهيدويع ما يسمع فإن اقتضى الكلام جوابا على قدر فهمك فلتجب بقدر فهمك فإن رزقت العلم بذلك فهي العناية الكبرى وإن لم يقتض جوابا فلتحصل ما قيل لك في خزانة حفظك فإن له موطنا يحتاج إليه فيه ولا بد فيكون عندك بحكم الإستعداد لذلك الوقت فإن الله سبحانه يقول أعددت فإذا كان الحق مع نفوذ قدرته في الآن قد أعد أمور الأوقات ظهور أحكامها فالمخلوق أولى بهذا وقال وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وإن هنا بمعنى ما فعم بها وبشئ وجعله مخزونا في خزائن غيبه عنا ولهذا قلنا أن الكون صادر من وجود شئ وهو ما تحتويه هذه الخزائن إلى وجود وهو ظهورها من هذه الخزائن لا نفسها بالنور الذي تكشف به نفسها فإنها في ظلمة الخزائن محجوبة عن رؤية ذاتها فهي في حال عدمها وقال ' وما تنزله إلا بقدر معلوم ' فما يتميز عنده إلا ما هو موجود له ولا يجري القدر إلا في عين مميزة عن غيرها وليس هذا صفة المعدوم من كل وجه فدل ذلك كله على وجود الأعيان لله تعالى في حال اتصافها بالعدم لذاتها وهذا هو الوجود الأصلي الإضافي والعدم فثبتت الأحوال للعالم ولكل ما سوى الله وإن الوجود ليس عين الموجود إلا في حق الحق سسبحانه حتى لا يكون معلولا لوجوده فإنه لو كان معلولا لوجوده لكان حالا له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فإذا خلص الإنسان بعد خروجه من ظلمة طبعه وهواه إلى نور عقله وهداه أربعين صباحا ظهر عنه مثل ما ظهر له وأخذ عنه مثل ما أخذ وتلك أول درجة الدينار الثالث وأول قيراط منه ولا يزال فيه حتى يجب عليه أن يطلب على من يأخذ عنه فإذا وجب عليه ذلك وجوبا شرعيا كفروض الأعيان كلها كان ذلك أول قيراط من الدينار الرابع وسمى رجلا عندج ذلك وإن لم يحصل له هذا الوجوب فليس برجل فكمال الرجولية فيما ذكرناه وسواء كان ذكرا أو أنثى وأما الكمال الذاتي وهو غير كمال الرجولية فهو أن يتخلل عبوديته في نفسه ربانية بوجه من الوجوه فيكون وجودا في في عين عدم وثبوتا في عين نفي ولذلك أوجده الحق فكمال الرجولية عارض وكمال العبودية ذاتي فبين المقامين ما بين الكمالين وأما درجات منازل هذين الكمالين فمعلومة عندنا حيث هي درجة الكمال الذاتي في نفس الحق ودرجات الكمال العرضي في الجنان فلهؤلاء النور ولهؤلاء الأجور قال تعالى ' لهم أجرهم ' يعني من كمالهم العرضي وما يستحق الأجر من كل أمر عرضي ولهم نورهم من كمالهم الذاتي الله نور السموات والأرض وتقول الرسل قاطبة وهم الكمل بلا خلاف أن أجري الأعلى الله فإن ذلك المقام يعطى الأجر ولا بد فيقع التفاضل في الكمال العرضي ولا يقع في الكمال الذاتي قال تعالى ' تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ' وقال ' هم درجات عند الله ' ولم يقل درجات درجات عند الله ممن جمع بين الكمالين فإن حرمنا الجمع فالله يجعلنا من أهل الكمال الذاتي وبالكمال العرضي لهم الدرجات الجنانية فاعلم ذلك جعلنا الله ممن جمع بين الكمالين فإن حرمنا الجمع فالله يجعلنا من أهل الكمال العرضي الذاتي بمنه وكرمه وأنا أوجو من الله أني قد حصلته تحصيلا لا يحال بي دونه بحسن ظني بربي فما أعلاه من يشهد فإذا حصل للعبد هذا الكمال العرضي وراى الإجابة الكونية لندائه من غير طلب دليل ولا برهان علم قطعا أن الحق قد تجلى لقلوب عباده وأنه سبحانه قد رفع الوساطة في أمره بينه وبين قلوب عباده فإن أمره سبحانه برفع الوسائط لا يتصور أن يعصى لأنه بكن إذ كن لا تقال إلا لمن هو موصوف بلم يكن وما هو موصوف بلم يكن بواسطة وإنما يكون الأمر بما يدل على الفعل فيؤمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فيقال له أقم الصلاة وآت الزكاة فاشتق له من إسم الفعل إسم الأمر فيطيعه من شاء منهم ويعصيه من شاء منهم فإذا أطاعوه كما قد ذكرنا بهذا التجلي الإلهي لقلوب عباده الذي لا يحتاج فيه المأمور إلى دليل ولا برهان لوجود الإجابة من نفسه ضرورة لأن الضرورة إنما تصورت هنا لكون الإنسان لا يقدر على دفع ما تكون في نفسه فإن كن إنما تعلقت بما تكون في نفس الإنسان فكان الحكم لما تكون فيمن تكون فآمن ولا بد أو صلى ولا بد أو صام ولا بد على حسب ما تعطيه حقيقة الأمر الذي تعلق به كن وقد يرد أمر الواسطة ولا يرد الأمر الإلهي فلا يجد المخاطب آلة يفعل بها فيظهر كأنه عاص وإنما هو عاجز فاقد في الحقيقة لأنه ما تكون فيه ما أمر به أن يتكون عنه والله الغني الحميد واعلم أن الفتوح الإلهي الذي يتعلق بالكون مثل النصر على الأعداء والقهر لهم والرحمة والأولياء والعطف عليهم إنما هو من نائج الرجولة لا من غيرها فإذا حصل هذا المقام وأكمل نشأته ناداه الحق في سره من كماله سبحانه لكمال العبد الذاتي فنزه ذات موجوده عن الكمال العرضي وهو الكمال الإلهي فإن الكمال الإلهي بالفعل فهو في نفوذ الإقتدار في المقدورات ونفوذ الإدارة في المرادات وظهور أحكام الاسماء الإلهية والكمال الذاتي الغني المطلق عن هذا كله فيكون العبد في هذا المقام لا يشهد ذات موجده من كونها موصوفة بالإلوهة وإنما مشهده غناها عما تستحقه الألوهة من الآثار الكونية فيفتقر إليها افتقار ذاتيا فهو في عبادته تلك صاحب عبادة ذاتية من غير اقتران أمر بها لأن الأمر إنما متعلقة الأمور العارضة الذاتية فلا يقال للعبد كن عبدا فإنه عبد لذاته وإنما يقال له اعمل كذا أيها العبد وعمله أمر عرضي والعمل متعلق الأمر من العبد وقد يعمل وقد لا يعمل وهذا المنزل يعطى جميع ما ذكرناه ويكون تنزيهه لذات موجده بما يستحقه من الثناء الذي يليق بالكمال الذاتي ثم أنه بما فيه من الكمال العرضي الذي هو كمال الرجولة قد يصدر عنه الثناء بما يستحقه الإلهعارضا بعارض ولكن لا بطريق التنزيه فإن طريق التنزيه فإن طريق التنزيه إنما هو للذات كما قال ليس كمثله شئ للكمال الذاتي وهو السميع البصير للكمال الإلهي لطلب المسموع والمبصر وكل طالب يستدعي مطلوبا والمستدعي فاقد لما استدعاه من أحوال هذا العبد والله غني حميد فلسان الأدب أن يقال طلبك لك لا له وفي هذا ينبغي أن يقال ما قيلمثله شئ للكمال الذاتي وهو السميع البصير للكمال الإلهي لطلب المسموع والمبصر وكل طالب يستدعي مطلوبا والمستدعي فاقد لما استدعاه من أحوال هذا العبد والله غني حميد فلسان الأدب أن يقال طلبك لك لا له وفي هذا ينبغي أن يقال ما قيل
كتاب فيه ما فيه . . . بديع في معانيه
Page 578