Les Illuminations de La Mecque
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Maison d'édition
دار إحياء التراث العربي
Édition
الأولى
Année de publication
1418هـ- 1998م
Lieu d'édition
لبنان
فتلك أربعة لا خامس لها . . . سوى المؤيد جل الحق سبحانا اعلم أن التفرقة عند بعض القوم إشارة من أشار إلى خلق بلا حق وعند أبي على الدقاق الفرق ما ينسب إليك وعند بعضهم الفرق ما أشهدك الحق من أفعله أدبا وعند بعضهم الفرق مشاهدة العبودية وقيل الفرق إثبات الخلق وقيل التفرقة شهود الأغيار لله وقيل التفرقة مشاهدة تنوع الخلق في أحوالهم ومستند مقام التفرقة من العلم الإلهي نعت الحق سنفرغ لكم أيه الثقلان وهو انقضاء المدة التي سبق في علم الله مقدارها وهو زمان الحياة الدنيا في كل شخص واعلم أن أصل الأشياء كلها التفرقة وأول ما ظهرت في الاسماء الإلهية فتفرقت أحكامها بتفرق معانيها حتى لو نظر الإنسان فيها من حيث دلالتها كلها على العين مع الفرقان المعلوم بين معانيها التي يعقل فيها من أنه سميت هذه العين بكذا لكذا ولا سيما إذا كانت الاسماء تجري مجرى النعوت على طريق المدح والتفرقة وأظهر وبالتفرقة تعرف إلينا سبحانه فقال ليس كمثله شئ وقال أفمن يخلق كمن لا يخلق ففرق بين من يخلق ومن لا يخلق وحدود الأشياء أظهرته التفرقة بين الأشياء وبالتفرقة ظهرت المقامات والأحوال وظثرت مراتب الخلق وتميزت بها فلله ثمانون عبدا حققهم بحقائق الإسيمان ولله مائة عبد حققهم بحقائق النسب الإلهية والاسماء ولله ستة آلاف عبد ويزيدون حققهم بحقاشق النبوة المحمدية ولله ثلاثمائة عبد حققهم بحقائق الأخلاق الإلهية ففرق عزوجل بين عباده بالمراتب وعين الجمع هو عين التفرقة إذ هو دليل على الكثرة وإنما سمى جمعا من أجل العين الواحدة التي تجمع هذه التفرقة فقول من قال في التفرقة أنها إشارة من أشار إلى خلق بلا حق فمشهوده ما أعطته الحدود والحدود لم يكن لها ظهور إلا في الخلق إذ كان الحق لا يعرف لأنه الغنى عن العالمين أي هو المنزه عن أن تدل عليه علامة فهو المعروف بغير حد المجهول بالحد والحدود أظهرت التفرقة بين الخلق وكل إنسان من أهل الذوق لا يتعدى في أخباره منزلة شهوده وذوقه لأنهم أهل صدق لا يخبرون أبدا إلا عن شهود لا عن خبر وأما قول الدقاق الفرق ما نسبت إليك فهو ما ذكرناه فإنه ما نسب إليك إلا الحدود إذا الحق لا ينسب إليه حد وجميع ماينسب إلى العبد فمآله إلى الفناء والعدم وما ينسب إلى الحق فمآله إلى البقاء والوجود فكن ممن ينسب إلى الحق ولا ينسب إلى الخلق وهو معنى قوله تعالى ما عندكم ينفد فوصف بالنفاد ما نسبة إلينا وما لفظة تدل على كل شئ كذا قاله سيبويه وما عند الله باق فمن كان عند الله منا صح له القاء ومن كان عند الخلق صح له النفاد ألا ترى من هو عبد لغير الله من المماليك إذا جاء الموت ارتفع الملك إذا كان للسيد عليه فنفد فكل ما نسب إلى المخلوق فإنه ينفد بالموت أو بالشهادة كل ما تنفد فقد فارق من كان عنده وهذا لا يوجد في الحق فإنه لا يفارقه شئ لأنه معنا وإليه تصير الأمور فهذا معنى قوله الفرق ما ينسب إليك وأما قول من قال الفرق ما أشهدك الحق من أفعالك أدبا يشير إلى الأفعال التي لا تعطي الأدب أن تنسب إلى الله وأن كانت من الله لا إلى الأفعال التي تنسب إلى الله أدبا وحقيقة وأفعال العباد لأبقاءلها عند العبد سوى زمان وجودها خاصة وتزول عنه في الزمان الذي يلي زمان وجودها فهذا معنى قول الدقاق فأجتمعا في المعنى غير أن هذا القائل خصص بعض الأفعال بقوله أدبا فإذا نسبت أعيان هذه الأفعال إلى الله أتصفت بالبقاء لا لأعيانها بل لكونها مشهودة لله وما عند الله باق كما يبقى الفعل عندك ما دام مشهودا لك فإذا لم تشهده زال عينه عن شهودك ولهذا قال ما أشهدك الحق من أفعالك ولم يتعرض لما يشهدك كما أنه لم يتعرض إلى المحمود من أفعالك مع كونه ينسب إليك فقال أدبا وأما قول من قال الفرق مشاهدة العبودية فإنه نسب العبد إلى الصفة القائمة به ولا ينبغي أن تنسب ألا إلى الله والعبودية صفة للعبد فمن شاهد عبوديته كان لمن شاهد ولهذا ينسب عباد الله إلى العبودة لا إلى العبودية فهم عبيد الله من غير نسبة بخلاف نسبتهم إلى العبودية فإن الحق لا يقبل نسبة العبودية لأنه عين صفة العبد لا عين العبد فمن شاهد العبودية فلم يشاهد كونه عبد الله ففرق بين ما ينسب إلى الصفة وبين ما يضاف إلى الله قال أهل اللسان رجل بين الخصوصية والخصوصة وبين العبودية والعبودة والعبودية نسبة إليها والعبودة نسبة إلى السيد وأما قول من قال الفرق أثبات الخلق فهو كما تقدم في معنى قولهم أشارة إلى خلق بلا حق غير أن بينهما فرقانا فإنه قال أثبات الخلق ولم يقل وجود الخلق لأن عين وجود الخلق عين وجود الحق والخلق من حيث عينه هو ثابت وثبوته لنفسه أزلا وأتصافه بالوجود أمر حادث طرأ عليه قد عرفناك بما يعقل من هذه اللفظة فقوله أثبات الخلق أي في الأزل وقع الفرق بين الله والخلق فليس الحق هو عين الأعيان الثابتة بخلاف حال أتصافها بالوجود فهو تعالى عين الموصوف بالوجود لا هي فلهذا قال هذا القائل في الفرق أنه أثبات الخلق وأما قول من قال أن الفرق شهود الأغيار لله أراد من أجل الله فهذه لام العلة فيشاهد في عين وجود الحق أحكام الأعيان الثابتة فيه فلا يظهر ألا بحكمها ولهذا ظهرت الحدود وتميزت مراتب الأعيان في وجود الحق فقيل أملاك وأفلاك وعناصر ومولدات وأجناس وأنواع وأشخاص وعين الوجود واحد والأحكام مختلفة لأختلاف الأعيان الثابتة التي هي أغيار بلا شك في الثبوت لا في الوجود فأفهم وأما قول من قال التفرقة شهود تنوعهم في أحوالهم يريد ظهور أحكامهم في وجود الحق فإنها متنوعة والحق لا يقبل التنوع فثبت أن ذلك حكم الأعيان والمشهود لهذا العبد التنوع فالمشهود له الأعيان ففرق بينها وبين الوجود وأما قول من قال في التفرقةثبات الخلق فهو كما تقدم في معنى قولهم أشارة إلى خلق بلا حق غير أن بينهما فرقانا فإنه قال أثبات الخلق ولم يقل وجود الخلق لأن عين وجود الخلق عين وجود الحق والخلق من حيث عينه هو ثابت وثبوته لنفسه أزلا وأتصافه بالوجود أمر حادث طرأ عليه قد عرفناك بما يعقل من هذه اللفظة فقوله أثبات الخلق أي في الأزل وقع الفرق بين الله والخلق فليس الحق هو عين الأعيان الثابتة بخلاف حال أتصافها بالوجود فهو تعالى عين الموصوف بالوجود لا هي فلهذا قال هذا القائل في الفرق أنه أثبات الخلق وأما قول من قال أن الفرق شهود الأغيار لله أراد من أجل الله فهذه لام العلة فيشاهد في عين وجود الحق أحكام الأعيان الثابتة فيه فلا يظهر ألا بحكمها ولهذا ظهرت الحدود وتميزت مراتب الأعيان في وجود الحق فقيل أملاك وأفلاك وعناصر ومولدات وأجناس وأنواع وأشخاص وعين الوجود واحد والأحكام مختلفة لأختلاف الأعيان الثابتة التي هي أغيار بلا شك في الثبوت لا في الوجود فأفهم وأما قول من قال التفرقة شهود تنوعهم في أحوالهم يريد ظهور أحكامهم في وجود الحق فإنها متنوعة والحق لا يقبل التنوع فثبت أن ذلك حكم الأعيان والمشهود لهذا العبد التنوع فالمشهود له الأعيان ففرق بينها وبين الوجود وأما قول من قال في التفرقة
جمعت وفرقت عني به . . . ففرط التواصل مثنى العدد
فإنه أراد ظهور الواحد في مراتب الأعداد فظهرت أعيان الأثنين والثلاثة والأربعة إلى ما لا يتناهي بظهور الواحد وهذه غاية الوصلة أن يكون الشيء عين ما ظهر ولا يعرف أنه هو كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقد عانق أبا محمد ابن حزم المحدث فغاب الواحد في الآخر فلم نر ألا واحدا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه غاية الوصلة وهو المعبر عنه بالأتحاد أي الأثنين عين للواحد ما في الوجود أمر زائد كما أن زيدا هو عين عمر وبل عين أشخاص هذا النوع الأنساني في الأنسانية فهو هو من حيث الأنسانية وليس هو هو من حيث الشخصية فإنعطاف الواحد بنفسه على مرتبة الأثنين هو عين ظهور الأثنين وما ثم سوى عين الواحد وهكذا ما بقي من الأعداد التي لا تتناهي فتحقق معنى التفرقة أن كنت ذا لب سليم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الرابع والعشرون ومائتان في معرفة عين التحكم
عين التحكم عند القوم التصرف لأظهار الخصوصية بلسان الأنبساط في الدعاء وهذا ضرب من الشطح وقريب منه لما يتوهم من دخول النفس فيه ألا أن يكون عن أمر ألهي فلا مؤاخذة على صاحبه فيه
مهما تحكم عارففي خلقه . . . عن غير أمر فالرعونة قائمه
ترك التحكم نعت كل محقق . . . لزم الحياء ولو أتته راغمه
ما للرجال الصم أعيان الورى . . . المصطفين له نفوس حاكمه
Page 508