Les Illuminations de La Mecque
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Maison d'édition
دار إحياء التراث العربي
Édition
الأولى
Année de publication
1418هـ- 1998م
Lieu d'édition
لبنان
لما جهلت الأمر قلت بعكسه . . . وتبين النقصان في الايمان الورع اجتناب وهو في الشرع اجتناب الحرام والشبه لا اجتناب الحلال قال صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما يريبك في هذا الباب وهذا عين ما قلناه وهذا الحديث من جوامع الكلم وفصل الخطاب وقال بعضهم ما رأيت أسهل علي من الورع كل كل ما حاك له شئ في نفسي تركته عملا بهذا الحديث فأما الحرام النص فمأمور باجتنابه لانه ممنوع تناوله في حق من منع منه لا في عين الممنوع فان ذلك الممنوع بعينه قد أبيح لغيره لكون ذلك الغير على صفة ليست فيمن منع منه أباحته له تلك الصفة بإباحة الشارع فلهذا قلنا لا في عين الممنوع فانه ما حرم شئ لعينه جملة واحدة ولهذا قال تعالى إلا ما اضطررتم فعلمنا ان الحكم بالمنع وغيره مبناه على حال المكلف وفي مواضع على إسم الممنوع فان تغير الاسم لتغير قام بالمحرم تغير الحكم على المكلف في تناوله أما بجهة الإباحة أو الوجوب وكذلك ان تغير حال المكلف الذي خوطب بالمنع من ذلك الشئ واجتنابه لأجل تلك الحال فانه يرتفع عنه هذا الحكم ولا بد وإذا كان الأمر على هذا الحد فما ثم عين محرمة لعينها وأما اجتناب الشبهة فالشبهة التي هي وجه إلى الحرام ووجه إلى الحل على السواء من غير تغليب فليس اجتنابها بأولى من تناولها ولا تناولها بأولى من اجتنابها فالورع يترك تناولها ترجيحالجانب الحرمة في ذلك وغير الورع لا يترك ذلك فبينهما هذا القدر وأما ترك ما لا يشبهة فيه فذلك الحلال المحض فان تركه أعني ترك الفضل منه لانه لا يصح إلا ترك الفضل منه فذلك الترك زهد لا ورع فان الزهد في الحرام والشبهة ورع والترك في الحلال الفاضل زهد وأما غير الفاضل وهو الذي تدعو إليه الحاجة فالزهد فيه معصية وما بقي إلا توقيت الحاجة إلى ذلك وما حد الفاضل منه الذي يصح فيه الزهد فنذكر ذلك في باب الزهد ان شاء الله والورع من المقامات المشروطة ويستصحب العبد ما دام مكلفا ولا يتعين استعماله إلا عند وجود شرطه وهو عام في جميع تصرفات المكلف ما هو مخصوص بشئ من أعماله دون شئ بل له السريان في جميع الأعضاء المكلفة في حركاتها وسكونها وما ينسب إليها من عمل وترك وقد قيل ان للورع حكما في الأسرار والأرواح وليس ذلك بصحيح في الورع المشروع فان الشبهة في المعاني والمعارف والأسرار مستحيلة عند العارفين وانما تكون الشبهات في العلوم النظرية الحاصلة بالأدلة العقلية فأولئك يجب عليهم الورع في النظر الفكري حتى يخلصوه من النظر المحرم كالنظر في الذات الإلهية ويخلصوه من الشبهة كالنظر لله أو للسمعة فيخفى على بعض النفوس ذلك لشرف العلم فيتخيل انه يطلبه لله وهو يطلبه للدنيا أو لغير الله فيجتنب نية ذلك الطلب لا يجتنب العلم فان طلب العلم ليس بمحرم عليه فمتعلق التحريم تلك النية الفاسدة وهنا نظر هل تقدح تلك النية في فضل طلب العلم أو يبقى طلب العلم على فضله يعطي حقيقة سعادته في الآخرة وتكون العقوبة على مجرد النية في ذلك وهو الذي نعتمد عليه في باب تحقيق الموازنة الإلهية فمن قال الكون كله شبهة وبه نقول فليس ذلك كما يتوهمه السامع وانما الصورة الرحمانية أدتنا إلى هذا القول ومثل ذلك لا يتورع فيه ولا يجتنب فانك لا تعرف منه إلا انت فان انتقلت عنك فقد جهلت ذاتك ومن أوجدك فإنه قال من عرف نفسه عرف ربه فالورع في هذه الشبهة محال بل ينبغي ان تتناول من حيث انها شبهة فذلك محال الذي يحلها فانها لا تخلص لأحد الطرفين أبدا وهذا بحر هلك فيه أكثر العقول وأكثر العارفين إلا من رحم الله وركب سفينة نوح نجاته والجامع لباب الورع ان تجتنب في ظاهرك وباطنك وجميع أعمال أعضائك المكلفة كل عمل وترك لا يكون على لله على الحد المشروع فيه المخلص له الذي لا شبهة تضره ولا تقدح فيه فهذا اللام الذي في لله هي الرابطة لهذا الباب وكل مقام في طريق الله تعالى فهو مكتسب ثابت وكل حال فهو موهوب غير مكتسب غير ثابت انما هو مثل بارق برق فإذا برق إما يزول لنقيضه وإما ان تتوالى أمثاله فان توالت أمثاله فصاحبه خاسر وكل مقام فإما إلهي أو رباني أو رحماني غير هذه الثلاث الحاضرات لا يكون وهي تعم جميع الحضرات وعليها يدور الوجود بها تنزلت الكتب وعليها ترتقي المعارج والمهيمن عليها ثلاث أسماء إلهية الله والرب والرحمن من حكم إسم ما من الاسماء الإلهية ينعت به في ذلك الوقت أحد هذه الاسماء الثلاثة ويكون حكمه بحسب مقام هذا العبد المحكوم عليه والمؤثر فيه من حيث ما هو مسلم أو مؤمن أو محسن وآثاره في عالم ملك العبد أو في عالم جبروته أو في عالم ملكوته وعمله فيه إما بحكم الإطلاق وهو العمل الذاتي وإما بحكم التقييد وهو عمل الصفة وحكمه بعمل الصفة إما بصفة تنزيه وسلب وإما بصفة فعل هذا هو الضابط للمقامات وأحوالها سواء عرفه السالك أو لم يعرفه فانه لا يخلو من هذه الأحكام كل كون لكنه لا يعرف ذلك كل أحد فأقول ان الورع له مقام ولمقامه حال وهو مشروط كما ذكرنا وينتهي بانتهاء التكليف فأما مقام الورع فهو التقييد بصفة التنزيه لان حقيقته الاجتناب وهو إلا هي وصاحبه مجهول لا يعرف وحاله وحاله ان يكون صاحب علامة في نفسه أو في المتورع فيه والاسم الله ينظر إليه دائما فينظر إليه في عالم ملكه من حيث ما هو مسلم فيؤثر في أفعاله وكما ظهر على جوارحه فيجتنب كل ما يقدح في حصول هذا المقام وينظر إليه في عالم جبروته من حيث ما هو مؤمن فيؤثر فيه فلا تكذب له رؤيا جملة واحدة ويجتنب في خياله كما يجتنب في ظاهره لان الخيال تابع للحس ولهذا إذا احتلم المريد برؤيا عاقبه شيخه ألا ترى انه ما احتلم نبي قط ولا ينبغي له ذلك ولا العارفون بالله ذوقا فان الاحتلام برؤيا في النوم أو في التصور في اليقظة فانما هو من بقية طبيعته في خياله وهو كذب فانه يظن انه في الحس الظاهر وقد قلنا ان الورع يجتنب الكذب فلو أجتنبه في الحس لأثر في خياله فإذا رأيتم صاحب مقام الورع يغتسل من نوم فذلك لماء خرج منه وهو نائم لضعف الأعضاء الباطنية وهو مرض طرأ في مزاجه لا عن رؤية أصلالا في حلال ولا حرام وأما إذا نظر إليه في عالم ملكوته فأثره فيه اجتناب التأويل فيما يرد عليه من المخاطبات الإلهية والتجلي الإلهي إذا كان كل ذلك في السور فلا يعبر ما رآه ولا يتأول ما خوطب به فانه كله إلهي وكل إلهي مجهول كما ان الورعين مجهولون لانه اجتناب وترك ولا يتميز الأمر من خارج إلا بالفعل فان نطق الورع بما ينبغي ان يجتنب ذلك الأمر ولأجله اجتببه فقد أخل بمقام الورع فان مقامه ان يكون مجهولا وقد عرف بانه ورع فزال عنه حكم مقامه بل ما كان قط في مقام الورع وورعه في اجتنابه معلول فلا يسلم له وأما الرباني والرحماني فعلى هذا المجرى سواء فخذه واعمل عليه ترى عجبا فقل ان تجده في غير هذا الكتاب فان أكثر الناس بل ربما كلهم ما أبانوا عن هذه المقامات والأحوال بما يعطيه تفصيل الوجود وان كانوا يعرفونها فانهم اتكلوا في ذلك على ان السالك إذا دخل وصدق في التوجه أبينت له الأمور على ما هي عليه فيعرف حاله حكمه بحسب مقام هذا العبد المحكوم عليه والمؤثر فيه من حيث ما هو مسلم أو مؤمن أو محسن وآثاره في عالم ملك العبد أو في عالم جبروته أو في عالم ملكوته وعمله فيه إما بحكم الإطلاق وهو العمل الذاتي وإما بحكم التقييد وهو عمل الصفة وحكمه بعمل الصفة إما بصفة تنزيه وسلب وإما بصفة فعل هذا هو الضابط للمقامات وأحوالها سواء عرفه السالك أو لم يعرفه فانه لا يخلو من هذه الأحكام كل كون لكنه لا يعرف ذلك كل أحد فأقول ان الورع له مقام ولمقامه حال وهو مشروط كما ذكرنا وينتهي بانتهاء التكليف فأما مقام الورع فهو التقييد بصفة التنزيه لان حقيقته الاجتناب وهو إلا هي وصاحبه مجهول لا يعرف وحاله وحاله ان يكون صاحب علامة في نفسه أو في المتورع فيه والاسم الله ينظر إليه دائما فينظر إليه في عالم ملكه من حيث ما هو مسلم فيؤثر في أفعاله وكما ظهر على جوارحه فيجتنب كل ما يقدح في حصول هذا المقام وينظر إليه في عالم جبروته من حيث ما هو مؤمن فيؤثر فيه فلا تكذب له رؤيا جملة واحدة ويجتنب في خياله كما يجتنب في ظاهره لان الخيال تابع للحس ولهذا إذا احتلم المريد برؤيا عاقبه شيخه ألا ترى انه ما احتلم نبي قط ولا ينبغي له ذلك ولا العارفون بالله ذوقا فان الاحتلام برؤيا في النوم أو في التصور في اليقظة فانما هو من بقية طبيعته في خياله وهو كذب فانه يظن انه في الحس الظاهر وقد قلنا ان الورع يجتنب الكذب فلو أجتنبه في الحس لأثر في خياله فإذا رأيتم صاحب مقام الورع يغتسل من نوم فذلك لماء خرج منه وهو نائم لضعف الأعضاء الباطنية وهو مرض طرأ في مزاجه لا عن رؤية أصلالا في حلال ولا حرام وأما إذا نظر إليه في عالم ملكوته فأثره فيه اجتناب التأويل فيما يرد عليه من المخاطبات الإلهية والتجلي الإلهي إذا كان كل ذلك في السور فلا يعبر ما رآه ولا يتأول ما خوطب به فانه كله إلهي وكل إلهي مجهول كما ان الورعين مجهولون لانه اجتناب وترك ولا يتميز الأمر من خارج إلا بالفعل فان نطق الورع بما ينبغي ان يجتنب ذلك الأمر ولأجله اجتببه فقد أخل بمقام الورع فان مقامه ان يكون مجهولا وقد عرف بانه ورع فزال عنه حكم مقامه بل ما كان قط في مقام الورع وورعه في اجتنابه معلول فلا يسلم له وأما الرباني والرحماني فعلى هذا المجرى سواء فخذه واعمل عليه ترى عجبا فقل ان تجده في غير هذا الكتاب فان أكثر الناس بل ربما كلهم ما أبانوا عن هذه المقامات والأحوال بما يعطيه تفصيل الوجود وان كانوا يعرفونها فانهم اتكلوا في ذلك على ان السالك إذا دخل وصدق في التوجه أبينت له الأمور على ما هي عليه فيعرف حاله
الباب الثاني والتسعون في معرفة مقام ترك الورع
شفيعة الانسان تؤذن بالورع . . . والوتر فيها موجب ترك الورع
العين واحدة إذا حققتها . . . مضت المطامع فانتفى حكم الطمع
ما تطلب الأعمال عين وجودها . . . إلا لضعف في البصائر أو صدع
Page 173