Les Illuminations de La Mecque
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Maison d'édition
دار إحياء التراث العربي
Édition
الأولى
Année de publication
1418هـ- 1998م
Lieu d'édition
لبنان
فما سبب علم القدر الذي طوى عن الرسل فمن دونهم الجواب في السؤال حذف وهو ان يقول ما سبب طي علم القدر الذي طوى عن الرسل فمن دونهم فان كان هذا الرجل يقول بفضل أفضل البشر على أفضل الملائكة فكانه قال الذي طوى عن كل ما سوى الله وان كان يرى ان أفضل الملائكة أفضل من أفضل البشر فقوله فمن دونهم لا يلزم ان من هو أفضل من الرسل طوى عنه علم القدر فقد يمكن عنده ان يكون من هو أعلى يعلم ذلك فبقي الجواب عما يقتضيه الأمر في نفسه هل ثم من يعلم علم القدر أم لا قلنا لا ولكن قد يعلم سره وتحكمه في الخلائق وقد أعلمنا به فعلمناه بحمد الله وان مظاهر الحق في أعيان الممكنات المعبر عنها بالعالم هي آثار القدر وعلامة على وجود الحق ولا دليل أدل على الشئ من نفسه فلم يعلم الحق بغيره بل علم نفسه ونسبة الوجود إلى هذه الأعيان قد قلنا ان ذلك أثر القدر فنعلم القدر بأثره ونعلم الحق بوجوده وذلك لان القدر نسبة مجهولة خاصة والحق وجود فيصح تعلق العلم بالحق ولا يصح تعلق العلم بالقدر فان علمنا بظهور المظهر في العين هو عين علمنا بالحق والقدر مرتبة بين الذات وبين الحق من حيث ظهوره لا يعلم أصلا وحكمه في المظاهر حكم الزمان في عالم الأجسام فلهذا يطلقه أكثر المحققين على الأوقات المعقولة وقد أعلمناك ان الزمان نسبة معقولة غير موجودة ولا معدومة وهو في الكائنات فالوقت أعز مقاما في امتناع العلم به أو تصوره فلا ينال أبدا وقد كان العزيز رسول الله عليه السلام كثير السؤال عن القدر إلى ان قال له الحق تعالى يا عزيز لئن سألت عنه لأمحون أسمك من ديوان النبوة ويقرب منه السؤال عن علل الأشياء في تكويناتها فأفعال الحق لا ينبغي ان تعلل فانه ما ثم علة موجبة لتكوين شئ إلا عين وجود الذات وقبول عين الممكن لظهور الوجود فالأزل لا يقبل السؤال عن العلل وان ذلك لا يصدر إلا من جاهل بالله فالسبب الذي لا يحله طوى علم القدر هو ان له نسبة ذات الحق ونسبة إلى المقادير فعز ان يعلم عز الذات وعز ان يجهل لنسبة المقادير فهو المعلوم المجهول فأعطى التكليف في العالم فأشتغل العالم بما كلفوا ونهوا عن طلب العلم بالقدر ولايعلم ألا بتقريب الحق وشهود شهودا خاصا لعلم هذا المسمى قدرا فأولياء الله وعباده لايطلبون علمه للنهي الوارد عن طلبه فمن عصى الله وطلبه من الله وهو لا يعلم بالنظر الفكري فلم يبق ألا ان يعلم بطريق الكشف الألهي والحق لا يقرب من عصاه بمعصيته وطالب هذا العلم قد عصاه في طلبه فلا ينال من طريق الكشف وما ثم طريق آخر يعلم به علم القدر فلهذا كان مطويا عن الرسل فمن دونهم وان نزع أحد إلى ان السائل أعتبر بسؤاله معنى الرسالة فمن حيث انهم رسل طوى عنهم في هذه المرتبة ومن دونهم من أرسل إليهم وذلك هو التكليف فسد الله باب العلم بالقدر في حال الرسالة فان علموه فما علموه من كونهم رسلا بل من كونهم من الراسخين في العلم فقد ينال على هذا لولا ما بيناه من ان مرتبته بين الذات والمظاهر فمن علم الله علم القدر ومن جهل الله جهل القدر والله سبحانه مجهول فالقدر مجهول فمن المحال ان يعرف المألوه الله لانه لاذوق له في الألوهة فانه مألوه والله ذوق في المألوهية لكونه يطلبها في المألوه كما يطلبه المألوه كما فمن هناك وصف الحق نفسه بما وصف به مظاهره من التعجب والضحك والنسيان وجميع الأوصاف التي لا تليق ألا بالممكنات فسر القدر عين تحكمه في المقادير كما ان الوزن متحكم في الموزون والميزان نسبة رابطة بين الموزون والوزن بها يتعين مقدار الموزون ومقادير الموزونات على أختلافها فالحق وضع الميزان وقال ' وما ننزله ألا بقدر معلوم ' ويستحقه من انزل إليه فكل شيء بقضائه أي بحكمه وقدره أي وزنه وهو تعيين وقت حالا كان وقته زمانا أو صفة أو ما كان فظهر ان سبب طي علم القدر سبب ذاتي والأشياء إذا أقتضت الأمور لذواتها لا للوازمها أو أعراضها لم يصح ان تتبدل ما دامت ذواتها والذوات لها الدوام في نفسها لا لنفسها فوجود العلم بها محال
السؤال الرابع والثلاثون
لأي شيء طوى الجواب هذا سؤال أختبار ان كان السائل عالما فانه من المعلومات ما يعلل ومنها ما لايعلل هذا في المعلومات فكيف ما لا يعلم كيف يصح ان يعلل الجهل به وأما من يرى ان القدر معلوم لمن فوق مرتبة الرسل من الملائكة أو من شاء الله من خلقه الذي لا علم لنا بأجناس خلقه فيكون طيه حتى لايشارك الحق في علم حقائق الأشياء من طريق الأحاطة بها أذ لو علم أي معلوم كان بطريق الأحاطة من جميع وجوهه كما يعلمه الحق لما تميز علم الحق عن علم العبد بذلك الشيء ولا يلزمنا على هذا الأستواء فيما علم منه فان الكلام فيما علم منه على ذلك فان العبد جاهل بكيفية تعلق العلم مطلقا بمعلومه فلا يصح ان يقع الأشتراك مع الحق في العلم بمعلوم ما ومن المعلومات العلم بالعلم وما من وجه من المعلومات ألا وللقدر فيه حكم لا يعلمه ألا الله فلو علم القدر علمت أحكامه ولو علمت أحكامه لأستقل العبد في العلم بكل شيء وما أحتاج إلى الحق في شيء وكان الغني له على الأطلاق فلما كان الأمر بعلم القدر يؤدي إلىهذا طواه الله عن عباده فلا يعلم فكل شخص في العالم على جهل من نفسه وعلم فمن حيث جهله يفتقر ويسأل ويخضع ويتضرع ويعلمه بجهله يقع منه هذا الوصف هذا إذا أتفق ان يكون ممكنا العلم به وقد قررنا انه محال لذاته كما يعلم انه ليس للحق من الصفات النفسية سوى واحدة لأحديته وهي عين ذاته فليس له فصل مقوم يميز به عما وقع له من الأشتراك فيه مع غيره بل له الأحدية الذاتية التي لا تعلل ولا تكون علة فهي الوجود وما هي ومن الأسباب التي لأجلها طوى علم ذلك عن الانسان لكون ذات الانسان تقتضي البوح به لانه أسنى ما يمدح به الانسان ولا سيما الرسل فحاجتهم إليه آكد من جميع الناس لان مقام الرسالة يقتضي ذلك وما ثم علم ولا آية أقرب دلالة على صدقهم من مثل هذا العلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وصف ربه به مما أوحى إليه به انه لا شيء أحب إلى الله تعالى من ان يمدح ولا مدحة فوق المدحة بمثل هذا ثم ان الله فلو فتح للعبد الانساني العلم بالقدر وقد أمر بالغيرة فيه وطيه عمن لا ينبغي ان يظهر عليه وكان الانسان وهو مجبول على حب المدح والرسالة تعطي الرغبة في هداية الخلق أجمعين ولا طريق للهداية أوضح من هذا الفن فالذي كانوا يلقونه من الكتم من الألم والعذاب في انفسهم لا يقدر قدره فخفف الله عن الرسل مثل هذا الألم فطواه عنهم فان جميع العالم ممن له قوة على إيصال ما في نفسه من الأمور إلى الخلق يكتمون علم مثل هذا وغيره إذا كان عندهم إلا الجن والانس فان النشأة من هذه القوى العنصرية تقتضي لهم ذلك فمن كتم منهم فانما يكتم على كره مما ينبغي ان يمدح به إذا بثه ولو لا ان البها ثم لم تعط لها قوة التوصل لأعلمت بما تشاهده من الأمور الغيبية التي أمر الله من يعلمها بسترها مثل خوار الميت على نعشه وعذاب القبر وحياة الشهداء فكل دابة تسمعه وتصغي يوم الجمعة شفقا من الساعة ولكن لما كوشفت على مثل هذا أعطيت الخرس عن التوصيل فكتمها الأشياء اضطراري لا اختياري فطواه الله عن الثقلين لذلك فانه من الأسرار المكتومة فهذا من الأسباب التي طوى لها علم القدر
Page 65