508

Les Illuminations de La Mecque

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Maison d'édition

دار إحياء التراث العربي

Édition

الأولى

Année de publication

1418هـ- 1998م

Lieu d'édition

لبنان

Régions
Syrie
Empires & Eras
Ayyoubides

لما ورد في الخبر الذي خرجه الترمذي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والربعاء والخميس علمنا أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يتلبس بعبادة الصوم في كل يوم من أيام الجمعة إما امتنانا منه على ذلك اليوم فإن الأيام تفتخر بعضها على بعض بما يوقع العبد المعتبر فيها من الأعمال المقربة إلى الله من حيث أنها ظرف له فيريد العبد الصالح أن يجعل لكل يوم من أيام الجمعة وأيام الشهر وأيام السنة جميع ما يقدر عليه من أفعال البر حتى يحمده كل يوم ويتجمل به عند الله ويشهد له فإذا لم يقدر في اليوم الواحد أن يجمع جميع الخيرات فيفعل فيه ما يقدر عليه فإذا عاد عليه من الجمعة الأخرى عمل فيه ما فاته فيه في الجمعة الأولى حتى يستوفي فيه جميع الخيرات التي يقدر عليها وهكذا في أيام الشهر وأيام السنة واعلم أن الشهور تتفاضل أيامها بحسب ما ينسب إليه كما تتفاضل ساعات النهار والليل بحسب ما ينسب إليه فيأخذ الليل من النهار من ساعته ويأخذ النهار من الليل والتوقيت من حيث حركة اليوم الذي يعم الليل والنهار كذلك أيام الشهور تتعين بقطع الدراري في منازل الفلك الأقصى لا في الكواكب الثابتة التي تسمى في العرف منازل وللقمرأيام معلومة في قطع الفلك وللكاتب أيام أخر وللزهرة كذلك وللشمس كذلك وللأحمر كذلك وللمشتري كذلك وللمقاتل كذلك فينبغي للعبد أن يراعي هذا كله في أعماله فإنه ماله من العمر بحيث أن يفي بذلك فإن أكبر هذه الشهور لا يكون أكبر من نحو ثلاثين سنة لا غير وأما شهور الكواكب الثابتة في قطعها في فلك البروج فلا يحتاج إليه لأن الأعمار تقصر عن ذلك لكن لها حكم في أهل جهنم كما أنه لحركات الدراري حكم على من هو في الدرك الأسفل من النار وهم المنافقون خاصة والباطنية ما لهم في الدرك الأسفل منزل وإن منزلهم الأعلى من جهنم والكفار لهم في كل موضع من جهم منزل وأما أهل الجنان فالدائر عليهم فلك البروج ولا يقطع في شيء فلا تنتهي حركته بالرصد لأن الرصد لا يأخذه وهو متماثل الأجزاء فلهذا كانت السعادة لا نهاية لها فظهر بها الخلود الدائم في النعيم المقيم إلى ما لا يتناهى والنار ما حكمها حكم أهل النعيم فإن الدائر عليهم فلك المنازل والدراري وهذه الأفلاك تقطع في فلك متناهي المساحة فلهذا يرجى لهم أن لا يتسرمد عليهم العذاب مع كون النار دار ألم والعذاب حكم زائد على كونها دارا فإنا نعلم أن خزنتها في نعيم دائم ما هم فيها بمععذبين مع كونهم ما هم منها بمخرجين لأنهم لها خلقوا وهي دائمة والساكن فيها دائم لكونه مخلوقا لها فتحقق ما ختمنا به هذا الصوم من سبق الرحمة وغلبتها صفة الغضب والله أجل وأعلى أن لا يكون له في كل منزل تجل وهو تعالى الخير المحض الذي لا شر فيه والوجود الذي لا عدم يقابله والوجود رحمة مطلقة في الكون والعذاب شيء يعرض لأمور تطرأ وتعرض فهو عرض لعارض والعوارض لا تتصف بالدوام ولو اتصفت ما كانت عوارض وما هو عارض قد لا يعرض فلهذا يضعف القول بترمد العذاب فإن الرحمة شملت آدم بجملته وكان حاملا لكل بنيه بالقوة فعمت الرحمة الجميع إذ لا تحجير ولا كان يستحق أن يسمى آدم مرحوما وفيه من لا يقبل الرحمة والحق يقول فتاب عليه وهدى أي رجع عليه بالرحمة وبين له أنه رجع عليه بها فعمته ولله الحمد والله عند حسن ظن عبده به .

وصل في فصل قيام رمضان

ليس لاسم إلهي حكم في شهر رمضان إلا الاسم الإلهي رمضان وفاطر السموات والأرض في كل عبد سواء كان ممن يجب عليه صوم رمضان أم لا يجب عليه إلا عدة من أيام آخر وذلك في كل فعل عبادة يقام فيها العبد فمن جملة أفعال البر فيه قيام ليله لمناجاة رمضان تبارك وتعالى تارة على الكشف إذا كان مواصلا وتارة من خلف حجاب الاسم الفاطر فإن الأسماء الإلهية يحجب بعضها بعضا وإن كان لكل واحد من الحاجب والمحجوب سلطنة الوقت فإن بعضها أولى بالحجابة من بعض وذلك سار في جميع أحوال الخلق ذكر أبو أحمد ابن عدي الجرجاني من حديث عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن عائشة قالت ' كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رمضان شد مئزره فلم يأو إلى فراشه حتى ينسلخ رمضان ' وخرج أيضا ملسم عنها أنها قالت ' كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر تعني العشر الآخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر ' وقيام الليل عبارة عن الصلاة فيه هذا هو المعروف من قيام الليل في العرف الشرعي والناس في مناجاة الحق فيه على قسمين فمنهم من يناجيه بالاسم الممسك وهو أيضا من حجاب الاسم رمضان ومنهم من يناجيه بالاسم الفاطر وهو أيضا من حجابه والناس على اختلاف في أحوالهم .

لولا مزاحمة الرحمن أعمالي . . . ما زاحمته على التكوين إخواني

يقول كن وحصول الكون ليس لنا . . . وماله في وجود الكون من ثاني

يقول صم فإذا صمنا يقول لنا . . . هذا الصيام لنا فأين أعياني

إن قلت لي لم أخاطبكم بما هو لي . . . فلي شهود على التكليف آذاني

أسمعتني ثم بعد السمع تسلبني . . . فالصوم لي ولكم في الشرع قسمان

إن كنت تسلبني عنه فشأنكمو في الصوم ما هو في التحقيق من شاني

والاسم الفاطر على هذا في ليل شهر رمضان أقوى حكما فينا من الممسك فمن كان حاله في إمساكه يطعمه ربه ويسقيه في مبيته في حال كونه ليس بآكل ولا شارب في ظاهره فهو مفطر وإن كان صائما وقد ذقت هذا ومن هنا علمت أن قوله صلى الله عليه وسلم لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني إنه نفي أن تشبهه تلك الجماعة التي خاطبهم فلم يكن لهم هذه الحالة إذ لو أراد الأمة كلها ما ذقته وقد وجدتهخ ذوقا والحمد لله وإن لم يكن ممن يطعمه ربه ويسقيه في حال وصال صومه فهو متطفل على من هذه صفته وهو كلابس ثوبي زور ولذلك يكره له الوصال إذا لم تكن له هذه الصفة حالا يشهدها ذوقا في نفسه ويظهر أثرها عليه في يقظته والله يحب الصدق في موطنه كما يحب الكذب في موطنه وهذا ليس بموطن حب الكذب فإن الله يكرهه في هذا الموطن انتهى الجزء الستون .

Page 786