Les Illuminations de La Mecque
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Maison d'édition
دار إحياء التراث العربي
Édition
الأولى
Année de publication
1418هـ- 1998م
Lieu d'édition
لبنان
ثبت في الحسان عن عامر بن ربيعة أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي ' تسوك وهو صائم ' فمن قائل به مطلقا في سائر اليوم وبه أقول ومن قائل بكراهيته له من بعد الظهر فمن راعى حكم الخلوف كرهه وهو ناقص النظر في ذلك فإنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ' أن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ' فهو طاهر مطهر يرضي الرب وينظف الأسنان من القلح والصفرة التي تطلع عليها فإن البزار روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه ' ما لكم تدخلون علي قلحا استاكوا ' فذكر ما هو حظ البصر وما تعرض للشم والخلوف لا يزيله السواك فإنه تغير في المعدة يظهره التنفس فصاحب هذا النظر والذي يقول استنوق الجمل سواء وإذا كان الخلوف من الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك فيوم القيامة تتغير رائحته برائحة المسك فما هو هناك خلوف وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق الصائم نهي عن التسوك في حال صومه أصلا ولا كراهة بل هو أمر مندوب إليه مرغب فيه مطلقا من غير تقييد بزمان ولا حال وهو أقرب إلى الوجوب منه إلى الندب مما أكد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هذا الخبر جبر القلب الصائم لما ظهرت من فيه رائحة يتأذى منها جليسه إذا كان غير مؤمن وأما المتحلي بالإيمان حاشاه من التأذي فإنه من الإيمان أن يعرف منزل الخلوف للصائم عند الله فهو يستحسن للغرض النفسي ما يستقبحه السليم النظر فكيف حال المؤمن إذا أحس بما يرضي الرب يلهج به فرحا وعندنا بالذوق علامة إيمانه أن يدرك ذلك الخلوف مثل رائحة المسك هنا فإذا ورد مثل هذا الخبر في تشريف هذه الرائحة على أمثالها من الروائح باعتناء الله بها انجبر قلب الصائم ورغب في الزيادة من الصوم وعلم أن الملائكة ورجال الله لا يتأذون في مجالسته من خلوف فمه فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم ورد ذلك في روائح الثوم وأمثاله لا في خلوف فم الصائم فإن تسوك الصائم كان أعلى منزلة ممن لم يتسوك في أي وقت كان فإنه في زيادة عمل يرضي الله وهو التسوك واعلم أن الخلوف ليس للإنسان وإنما هو أمر تقتضيه الطبيعة للتعفين الذي يكون فيما يبقى في المعدة من فضول الطعام ولم يحجبه بطعام جديد طيب الرائحة فيخرج لانفس من القلب فيمر على المعدة فيخرج بما يمر عليه من طيب وخبيث حسا كما يجده الملك معنى إذا كذب العبد الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلا من نتن ما جاء به يجد ذلك النتن من الكاذب بالإدراك الشمي أهل الروائح فإن كان حاكما وهو من أهل هذا المقام وله هذه الحال وةشهد عنده بالزور في حكومة تعين عليه أن لا يمضي الحكم للمشهود له وإن حكم له فإنه آثم عند الله وهذه مسئلة عظيمة الفائدة لأهل الأذواق فإن الحاكم وإن لم يحكم بعلمه فلا يجوز له أن يخالف علمه أصلا وذلك في الأموال وأما في الأبشار فما يجب عليه إمضاء الحكم على المحكوم عليه لأمر آخر لا أحتاج إلى بيانه ولما كان الصوم سبب الخلوف والصوم لله وجب على المرمن أن يحتمل ما يجده من خلوف فم الصائم وراعى الله تعالى الواجد لذلك بأن أمر الصائم بتعجيل الفطر وتأخير السحور لإزالة الرائحة من أجل جلسائه وجعل له فرحة بالطبع بفطره اعتبار آخر في المقابلة أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور لتكون المناجاة في هاتين الصلاتين بريح طيبة إذ كان زمن الصوم قد انقضى فخلوفه بعد انقضاء زمن الصوم ما هو خلوف الصائم فإن خلوف الصائم إنما هو في حال صومه ثم إن الله يقول في هذا الخبر الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ' إن طيب خلوف فم الصائم عند الله ' إنما ذلك في يوم القيامة إذا اتفق للصائم أن لا يزيله فإن أزاله بسواك أو بما لا يفطر الصائم كان أطهر وأطيب وانتقل من طيب إلى طيب وأرضى الله فإن الخلوف لا أثر له في الصوم وقد ورد أن الله أحق من تجمل له ومن التجمل استعمال ما يطب الروائح ويزيل ما فيها من الخبث فإن الله جميل يحب الجمال وكل شيء فجماله بما يناسبه وما يقتضيه مما يتنعم به المدرك من طريق ذلك الإدراك عينه من سمع وبصر وشم وذوق ولمس بمسموع ومبصر ومشموم ومطعوم وملموس ثم إنه قد ورد صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغيرسواك فمن باب الإشارة صلاةك بربك أفضل من صلاتك بنفسك فأشار إلى السوى والسبعون إشارة في اعتبار الغالب في عمر الإنسان فإن المسبعات كثيرا ما يعتبرها الشرع في البسائط والمركبات وأما طريقة تفسير هذا الحديث فكونه جمع بين طهارتين الوضوء والسواك والمقصود بالوضوء هنا المضمضة وهي من فرائض الوضوء عندنا بالسنة والفهم هو محل المناجاة فإن الصلاة محادثة مع الله نهارا ومسامرة ليلا واختصاص سرا أي مساررة وتبليغ جهرا للقائم والقاعد والراقد على جنب وإذا كنت من عالم الإشارة وصليت بسواك فلا تصل به إلا من اسمه السبوح القدوس فإن القدوس يعطي التسوك وإنما فرقنا في التعبير بين الإشارة والتحقيق لئلا يتخيل من لا معرفة له بما آخذ أهل الله إنهم يرمون بالظواهر فينسبونهم إلى الباطنية وحاشاهم من ذلك بل هم القائلون بالطرفين كان شيخنا أبو مدين يذم الطرفين على الانفراد ويقول إن الجامع بين الطرفين هو الكامل في السنة والمعرفة والاشتراك وقع في تلفظه بسواك والكاف في السواك أصلية من نفس الكلمة وهي في الاستثناء مضافة ما هي أصلية ومن جعلها من باب التحقيق نظر إلى كون إضافة المخاطب أمرا واحدا فجعلها أصلية في الإضافة كالكلمة الواحدة واعتبر التركيب فيها اعتبار تركيب الحروف في الكلمة فلا يصح ذلك عن فكر لقد كانوا يفضلون به غيرهم فكيف بمن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى إن الله هو الرزاق والعلم رزق الأرواح ذو القوة المتين .
وصل في فصل من فطر صائما
لما ورد الخبر الذي خرجه الترمذي عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء وقال فيه حديث صحيح فالصائم له أجر في فطره كما كان له في صومه فلمن فطره أجر فطره لا أجر صومه فافهم وعلمنا من هذا الخبر أن الفطر من تمام الصوم وأنه من أعان شخصا على عمل كان مشاركا له فيما يؤدي إليه ذلك العمل من الخير لا مشاركة توجب نقصا بل هو على التمام لكل واحد من الشريكين كما جاء في الحديث من سن سنة حسنة الحديث فجعل الفطر من تمام الصوم وأنه جزء منه ومن تلبس بجزء من الشيء المتناسب الأجزاء حصل له خير ذلك الشيء وإن لم يحصل ولا اتصف بذلك الأمر كله كما اتصف به صاحبه كمن اتصف بجزء من أجزاء النبوة فله أجر من ثبتت له النبوة وفضلها من غير أن يتلبس بها كلها فليس بنبي ولهذا ورد أنه يأتي يوم القيامة ناس ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء إذ كانت الأنبياء نالت هذه الفضيلة بما في النبوة من الأثقال والمشاق وهؤلاء بجزء منها قد اتصفوا أو أكثر من جزء وتلبسوا به وربما كان هذا الجزء منها ومما لا مشقة فيه ونالوا فضل من تلبس بها كلها كالفقير مع صاحب المال فيما يتمناه من فعل الخير إذا رأى صاحب المال أو العلم يفعل في ذلك ما لا يتمكن للفقير فعله فهما في الأجر سواء وما اشتركا إلا في النية وزاد عليه صاحب النية بسقوط الحساب والمسألة فيم أنفق ومم اكتسب فهؤلاء هم الذين يغبطهم النبيون في ذلك المقام ولكن في القيامة في الموقف لا في الجنة وهو قوله تعالى ' لا يحزنهم الفزع الأكبر ' فإن الرسل تخاف على أممها لا على أنفسها والمؤمنون خائفون على أنفسهم لما ارتكبوه من المخالفات وهؤلاء ما لهم اتباع يخافون عليه ولا ارتكبوا مخالفة توجب لهم الخوف فلا يحزنهم الفزع الأكبر وكذلك الأنبياء يعطى لكل نبي أجر الأمة التي بعث إليهم سواء آمنوا به أو كفروا فإن نية كل نبي يود لو أنهم آمنوا فتساوى الكل في أجر التمني ويتميز كل واحد عن صاحبه في الموقف بالاتباع فالنبي يأتي ومعه السواد الأعظم وأقل وأقل حتى يأتي نبي ومعه الرجلالن والرجل ويأتي النبي وليس معه أحد والكل في أجر التبليغ سواء وفي الأمنية فمن فطر صائما فقد اتصف بصفة إلهية وهي اسمه الفاطر فإن الله فطر الصائم مع غروب الشمس سواء أكل أو لم يأكل أو شرب أو لم يشرب فهو مفطر شرعا وأخرجه غروب الشمس من التلبس بالصوم وهذا فطره بما أطعمه فلما حصل في هذه الدرجة كان متخلفا بما هو لله كما كان الصائم متلبسا في صومه بما هو لله من التنزيه عن الطعام والشراب والصاحبة وكل وصف مفسد للصوم .
Page 784