388

Les Illuminations de La Mecque

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Maison d'édition

دار إحياء التراث العربي

Édition

الأولى

Année de publication

1418هـ- 1998م

Lieu d'édition

لبنان

Régions
Syrie
Empires & Eras
Ayyoubides

فصل في الأموات الذين يجب غسلهم

فأما الأموات الذين يجب غسلهم فاتفقوا على غسل الميت والمقتول الذي لم يقتل في معتكر حرب الكفار واختلفوا في الشهيد المقتول في حرب الكفار وفي غسل المشرك وفي غسل من ينطلق عليه اسم شهيد وفيمن قتله مشرك في غير المعترك فمن قائل يغسل كل هؤلاء ومن قائل لا يغسلون فمن راعى أن الغسل عبادة يعود ما فيها من الثواب على المغسول قال لا يغسل المشرك ومن رأى أن غسل الميت تنظيف قال بغسل المشرك وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل عمه أبي طالب وهو مشرك وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن يدفنوا في ثيابهم ولا يغسلون فمن رأى أن الشهيد لا يغسل لمطلق الشهادة قال لا يغسل من نص النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهيد ومن رأى وفهم من النبي صلى الله عليه وسلم بقرينة حال أن الشهيد الذي لا يغسل هو المقتول في المعترك في حرب الكفار قال يغسل ما عداه وصل اعتبار هذا الفصل المقتول في سبيل الله في معترك حرب الكفار حي يرزق وإنما أرمنا بغسل الميت وهذا الشهيد الخاص لا يقال فيه إنه ميت ولا يحسب أنه ميت بل هو حي بالخبر الإلهي الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولكن الله أخذ بأبصارنا عن إدراك الحياة القائمة به كما أخذ بأبصارنا عن إدراك أشياء كثيرة كما أخذ أيضا بأسماعنا عن إدراك تسبيح النبات والحيوان والجماد وكل شيء قال الله تعالى ' ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ' وقال تعالى ' ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ' بحياتهم كما يحيى الميت عند السؤال ونحن نراه من حيث لا نشعر ولا نعلم قطعا أنه يسأل ولا يسأل إلا من يعقل ولا يعقل إلا من هو موصوف بالحياة فنهينا أن نقول فيهم أموات وأخبرنا أنهم أحياء ولكن لا نشعر وما ورد مثل هذا في من لم يقتل في سبيل الله فهو ميت وإن كان شهيدا أو هو حي مثله وما أخبرنا بذلك الشهيد هو الحاضر عند الله ولهذا قال عند ربهم وإنما يغسل الميت ويطهر ليحضر عند ربه طاهرا فيلقاه في البرزخ بعد الموت على طهارة مشروعة وهذا الشهيد حاضر عند ربه بمجرد الشهادة التي هي القتل في سبيل الله فإنه لا يغسل وهو عند ربه وصل في اعتبار غسل المشرك وهو القائل بالأسباب بالركون إليها والاعتماد عليها والاعتقاد بأن الله يفعل الأشياء بها لا عندها وذلك لعدم علمه لضعف نفسه واضطراب إيمانه كما يضطرب في صدق وعده تبارك وتعالى في الرزق مع قسمه سبحانه عليه لعباده فقال ' فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ' فهذا ضرب من الشرك الصريح لا الخفي لغلبة الطبع عليه في مألوف العادة قال بعضهم موبخا لمن اضطرب إيمانه .

Page 634