294

Les Illuminations de La Mecque

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Maison d'édition

دار إحياء التراث العربي

Édition

الأولى

Année de publication

1418هـ- 1998م

Lieu d'édition

لبنان

Régions
Syrie
Empires & Eras
Ayyoubides

اعلم أن العالم بالله إذا فرغ من الذي ذكرناه يشرع في القراءة على حد ما أمره الله به عند قراءة القرآن من التعوذ لكونه قارئا لا لكونه مصليا ولما أعلمتك أن الله يقول عند قراءة العبد القرآن كذا جوابا على حكم الآية التي يقرأها فينبغي للإنسان إذا قرأ الآية أن يستحضر في نفسه ما تعطيه تلك الآية على قدر فهمه فإن الجواب يكون مطابقا لما استحضرته من معاني تلك الآية ولهذا ورد في الجواب أدنى مراتب العامة مجملا إذ العامي والعجمي الذي لا علم له بمعنى ما يقرأ يكون قول الله له ما ورد في الخبر فإن فصلت في الاستحضار فصل الله لك الجواب فلا يفوتنك هذا القدر في القراءة فإن به تتميز مراتب العلماء بالله والناس في صلاتهم فإذا فرغ الإنسان من التوجيه فليقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هذا نص القرآن وقد ورد في السنة الصحيحة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال تعالى ' فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ' فالعارف إذا تعوذ ينظر في الحال الذي أوجب له التعوذ وينظر في حقيقة ما يتعوذ به وينظر في ما ينبغي أن يعاذ به فيتعوذ بحسب ذلك فمن غلب عليه في حاله أن كل شيء يستعاذ منه بيد سيده وإن كل ما يستعاذ به بيد سيده وإنه في نفسه عبد محل التصريف والتقليب فعاذ من سيده بسيده وهو قوله صلى الله عليه وسلم وأعوذ بك منك وهذه استعاذة التوحيد فيستعيذ به من الاتحاد قال تعالى ' ذق إنك أنت العزيز الكريم ' وقال ' كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ' وقال ' الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قصمته ' ومن نزل عن هذه الدرجة في الاستعاذة استعاذ مما لا يلائم بما يلائم فعلا كان أو صفة هذه قضية كلية والحال يعين القضايا والحكم يكون بحسبها ورد في الخبر أعوذ برضاك من سخطك أي بما يرضيك مما يسخطك فقد خرج العبد هنا عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه فهذا لله ثم الذي لنفسه من هذا الباب قوله وبمعافاتك من عقوبتك فهذا في حظ نفسه وأي المرتبتين أعلى في ذلك نظر فمن نظر إلى ما يقتضيه جلال الله من أنه لا يبلغ ممكن أي ليس في حقيقة الممكن قبول ما ينبغي لجلال الله من التعظيم وإن ذلك محال في نفس الأمر لم ير إلا أن يكون في حظ نفسه فإن ذلك عائد عليه ومن نظر في قوله إلا ليعبدون قال ما يلزمني من حق ربي إلا ما تبلغه قوتي فأنا لا أعمل إلا في حق ربي لا في حق نفسي فشرع الشارع الاستعاذتين في هذين الشخصين ومن رأى إن وجوده هو وجود ربه إذ لم يكن له من حيث هو وجود قال أعوذ بك منك وهي المرتبة الثالثة وثبت في هذه المرتبة عين العبد فالقارىء للقرآن إذا تعوذ عند قراءة القرآن علمه المكلف وهو الله تعالى كيف يستعيذ وبمن يستعيذ وممن يستعيذ فقال له إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فأعطاه الاسم الجامع وذكر له القرآن وما خص آية من آية لذلك لم يخص اسما من اسم بل أتى بالاسم الله فالقارىء ينظر في حقيقة ما يقرأ وينظر فيما ينبغي أن يستعاذ منه في تلك الآية فيذكره في استعاذته وينظر فيما ينبغي أن يستعاذ به من أسماء الله أي اسم كان فيعينه بالذكر في استعاذته ولما كان قارىء القرآن جليس الله من كون القرآن ذكرا والذاكر جليس الله ثم زاد إنه في الصلاة حال مناجاة الله فهو أيضا في حال قرب على قرب كنور على نور كان الأولى أن يستعيذ هنا بالله وتكون استعاذته من الشيطان لأنه البعيد يقال بئر شطون إذا كانت بعيدة القعر والبعد يقابل القرب فتكون استعاذته في حال قربه مما يبعده عن تلك الحالة فلم يكن أولى من اسم الشيطان ثم نعته بالرجيم وهو فعيل فأما بمعنى المفعول فيكون معناه من الشيطان المرجوم يعني بالشهب وهي الأنوار المحرقة قال تعالى ' وجعلناها ' يعني الكواكب ' رجوما للشياطين ' والصلاة نور ورجمه الله بالأنوار فكانت الصلاة مما تعطي بعد الشيطان من العبد قال تعالى ' إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بسبب ما وصفت به من الإحرام وإن كان بمعنى الفاعل فهو لما يرجم به قلب العبد من الخواطر المذمومة واللمات السيئة والوسوسة ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي من الليل وكبر تكبيرة الإحرام قال الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وسبحان الله بكرة وأصيلا وسبحان الله بكرة وأصيلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه قال ابن عباس همزه ما يوسوسه في الصلاة ونفثه الشعر ونفخه الذي يلقيه من الشبه في الصلاة يعني السهو ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن سجود السهو ترغيم للشيطان فوجب على المصلي أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بخالص من قلبه يطلب بذلك عصمة ربه ولما لم يعرف المصلي بما يأتيه الشيطان من الخواطر السيئة في صلاته والوسوسة لم يتمكن أن يعين له ما يدفعها به فجاء بالاسم الله الجامع لمعاني الأسماء إذ كان في قوة هذا الاسم حقيقة كل اسم دافع في مقابلة كل خاطر ينبغي أن يدفع فهكذا ينبغي للمصلي أن يكون حاله في استعاذته إن وفقه الله ثم يقول بعد الاستعاذة بسم الله الرحمن الرحيم فإذا قالها يقول الله يذكرني عبدي فينبغي على هذا أن يكون العامل في بسم الله الرحمن الرحيم اذكر فتتعلق الباء بهذا الفعل إن صح هذا الخبر وإن لم يصح فيكون الفعل اقرأ بسم الله فإنه ظاهر في اقرأ باسم ربك هذا يتكلفه لقولهم إن المصادر لا تعمل عمل الأفعال إلا إذا تقدمت وأما إذا تأخرت فتضعف عن العمل وهذا عندنا غير مرضي في التعليل لأنه تحكم من النحوي فإن العرب لا تعقل ولا تعلل فيكون تعلق البسملة عندي بقوله الحمد لله بأسمائه فإن الله لا يحمد إلا بأسمائه غير ذلك لا يكون ولا ينبغي أن تتكلف في القرآن محذوفا إلا لضرورة وما هنا ضرورة فإن صح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى إن العبد إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم في مناجاته في الصلاة يقول الله يذكرني عبدي فلا نزاع هكذا روى هذا الخبر عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاث غير تمام فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى ' قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فيذكرني عبدي يقول العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي ' وسيأتي الحديث مفصلا في كل كلمة إن شاء الله تعالى كما ذكرت ألفاظ التوجيه إلى آخر الفاتحة وذكر مسلم هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ولم يذكر البسملة فيه فإذا قال العالم بالله بسم الله الرحمن الرحيم علق الباء بما في الحمد من معنى الفعل كما قلنا يقول لا يثنى على الله إلا بأسمائه الحسنى فذكر من ذلك ثلاثة أسماء الاسم الله لكونه جامعا غير مشتق فينعت ولا ينعت به فإنه للأسماء كالذات للصفات فذكره أولا من حيث أنه دليل على الذات كالأسماء الأعلام كلها في اللسان وإن لم يقو قوة الإعلام لأنه وصف للمرتبة كاسم السلطان فلما لم يدل إلا على الذات المجردة على الإطلاق من حيث ما هي لنفسها من غير نسب لم يتوهم في هذا الاسم اشتقاق ولهذا سميت بالبسملة وهو الاسم مع الله أي قولك بسم الله خاصة مثل العبدلة وهو قولك عبد الله وكذلك الحوقلة وهو الحول والقوة مع الله ثم قال إن العبد قال بعد بسم الله الرحمن الرحيم من حيث ما هو أعني الرحمن الرحيم من الأسماء المركبة كمثل بعلبك ورام هرمز فسماه به من حيث ما هو اسم له لا من حيث المرحومين ولا من حيث تعلق الرحمة بهم بل من حيث ما هي صفة له جل جلاله فإنه ليس لغير الله ذكر في البسملة أصلا ومهما ورد اسم إلهي لا يتقدمه كون يطلب الاسم ولا يتأخر كون يطلبه الاسم في الآية فإن ذلك الاسم ينظر فيه العارف من حيث دلالته على الذات المسماة به لا من حيث الصفة المعقولة منه ولا من حيث الاشتقاق الذي يطلبه الكون نتيجته وبه يتعلق وإياه يطلب فإنه صادر عنه إذا تدبرته وجدته مثل قوله ' الرحمن علم القرآن خلق الإنسان ' وإذا تقدم الكون وجاء الاسم الإلهي في أثره فإنه الأول والآخر كان على العكس من الأول مثل اتقوا الله وقوله ويعلمكم الله فأظهر التقوى ما يتقى منه وهو الاسم الله وفي الأول أظهر الاسم الإلهي عين الإنسان وكذلك ويعلمكم الله أظهر التعليم الاسم الإلهي وهو الله فإذا وقع الكون بين اسمين إلهيين كان الكون للأول بحكم النتيجة وللآخر بحكم المقدمة مثل وقوع العالمين بين الاسم الرب والرحمن في قوله ' الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ' ومثل قوله ' واتقوا الله ويعلمكم الله ' فوقع ويعلمكم بين اسمين تقدمه الاسم الله وتأخر عنه الاسم الله بمعنيين مختلفين فأثر فيه الاسم الأول طلب التعليم وقبل التعليم بالاسم الثاني وكذلك إذا وقع الاسم الإلهي بين اسم إلهي يتقدمه وبين كون يتأخر عنه مثل الاسم الرب بين الله والعالمين في قوله الحمد لله رب العالمين في آخر الزمر أو بين كون يتقدمه واسم إلهي يتأخر عنه مثل قوله العالمين الرحمن الرحيم ملك فالرحمن الرحيم تقدمه كلمة العالمين وتأخر عنه ملك يوم الدين فأظهر عين العالمين الرحمن الرحيم لافتقارهم إلى الرحمتين الرحمة العامة والخاصة والواجبة والامتنانية وطلب الرحمن الرحيم ملك يوم الدين ليظهر من كونه ملكا سلطان الرحمن الرحيم فإن الرحمة من جانب الملك هي رحمة عزة وامتنان مع استغناء بخلاف رحمة غير الملك كرحمة الأم بولدها للشفقة الطبيعية فتدفع الأم بالرحمة على ولدها ما تجده من الألم بسببه في نفسها فنفسها رحمته ولنفسها سعت واحتجبت عن علم ذلك بولدها فالمنة لولدها عليها بالسببية لا لها ووقعت الرحمة بالولد تبعا بخلاف رحمة الملك فإنها عن عز وغنى عن هذا المرحوم الخاص من رعاياه وكذلك إذا وقع الاسم الإلهي بين اسمين إلهيين مثل قوله هو الله الخالق البارىء فوقع الاسم الخالق بين الاسم الله والاسم البارىء وكذلك الاسم البارىء بين الخالق والمصور وهذا كثير فالخالق صفة لله وموصوف للباري فعلى هذا الأسلوب تجري تلاوة العارفين في الكتابين في القرآن وكتاب العالم بأسره فإنه كتاب مسطور ورقه المنشور الذي هو فيه الوجود وكذلك تجري أذكارهم وهكذا في الأكوان إذا وقع كون بين كونين يكون للأول ابنا وللثاني بعده أبا في الذي يفهم من ذلك كان ما كان فلهذا قال الله في قول العبد بسم الله الرحمن الرحيم ذكرني عبدي وما قيد هذا الذكر بشيء لاختلاف أحوال الذاكرين أعني البواعث لذكرهم فذاكر تبعثه الرغبة وذاكر تبعثه الرهبة وذاكر يبعثه التعظيم والإجلال فأجاب الحق على أدنى مراتب العالم وهو الذي يتلو بلسانه ولا يفهم بقلبه لأنه لم يتدبر ما قاله إذا كان التالي عالما باللسان ولا ما ذكره فإن تدبر تلاوته أو ذكره كانت إجابة الحق له بحسب ما حصل في نفسه من العلم بما تلاه فتدبر ما نصصناه لك ثم قال قال الله تعالى فإذا قال العبد الحمد الله رب العالمين في الصلاة يقول الله حمدني عبدي فيقول العارف الحمد لله أي عواقب الثناء ترجع إلى الله ومعنى عواقب الثناء أي كل ثناء يثني به على كون من الأكوان دون الله فعاقبته ترجع إلى الله بطريقين الطريق الواحدة الثناء على الكون إنما هو بما يكون عليه ذلك الكون من الصفات المحمودة التي توجب الثناء عليه أو بما يكون منه من الآثار المحمودة التي هي نتائج عن الصفات المحمودة القائمة به وعلى أي وجه كان فإن ذلك الثناء راجع إلى الله إذ كان الله هو الموجد لتلك الصفات والآثار لا لذلك الكون فرجعت عاقبة الثناء إلى الله والطريق الأخرى أن ينظر العارف فيرى أن وجود الممكنات المستفاد إنما هو عين ظهور الحق فيها فهو متعلق الثناء لا الأكوان ثم إنه ينظر في موضع اللام من قوله لله فيرى أن الحامد عين المحمود لا غيره فهو الحامد المحمود وينفي الحمد عن الكون من كونه حامدا ونفى كون الكون محمودا فالكون من وجه محمود لا حامد ومن وجه لا حامد ولا محمود فأما كونه غير حامد فقد بيناه فإن الحمد فعل والأفعال لله وأما كونه غير محمود فإنما يحمد المحمود بما هو له لا لغيره والكون لا شيء له فما هو محمود أصلا كما ورد في مثل هذا المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور فيحضر العارف في قوله الحمد لله رب العالمين جميع ما ذكرناه وما يعطيه الاسم الرب من الثبات والإصلاح والتربية والملك والسيادة هذه الخمسة يطلبها الاسم الرب ويحضر ما يعطيه العالم من الدلالة عليه تعالى فلا يكون جواب الله في قوله حمدني عبدي إلا لمن حمده بأدنى المراتب لأنه لكرمه يعتبر الأضعف الذي لم يجعل الله له حظا في العلم به تعالى رحمة به لعلمه إن العالم يعلم من سؤاله أو قراءته ما حضر معه في تلك القراءة من المعاني فيجيبه الله على ما وقع له ويدخل في إجمال ما خاطب به عبده العامي القليل العلم أو الأعجمي الذي لا علم له بمدلول ما يقرأه فافهم والله الملهم ثم قال عن الله يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله أثنى علي عبدي يعني بصفة الرحمة لاشتقاق هذين الاسمين منها ولم يقل فيماذا لعموم رحمته ولأن العامي ما يعرف من رحمة الله به إلا إذا أعطاه ما يلائمه في غرضه وإن ضره أو ما يلائم طبعه ولو كان فيه شقاؤه والعارف ليس كذلك فإن الرحمة الإلهية قد تأتي إلى العبد في الصورة المكروهة كشرب الدواء الكريه الطعم والرائحة للمريض والشفاء فيه مبطون فإذا قال العارف الرحمن الرحيم أحضر في نفسه مدلول هذا القول من حيث ما هو الحق موصوفا به ومن حيث ما يطلبه المرحوم لعلمه بذلك كله ويحضر في قلبه أيضا عموم رحمته الواحدة المقسمة على خلقه في الدار الدنيا إنسهم وجنهم ومطيعهم وعاصيهم وكافرهم ومؤمنهم وقد شملت الجميع ورأي أن هذه الرحمة الواحدة لو لم تعط حقيقتها من الله أن يرزق بها عباده من جماد ونبات وحيوان وإنس وجان ولم يحجبها عن كافر ومؤمن ومطيع وعاصي عرف أن ذاتها من كونها رحمة تقتضي ذلك ثم جاء الوحي من أثر هذه الرحمة الواحدة بأن هذه الرحمة الواحدة السارية في العالم التي اقتضت حقيقتها أن تجعل الأم تعطف على ولدها في جميع الحيوان وهي واحدة من مائة رحمة وقد ادخر سبحانه لعباده في الدار الآخرة تسعا وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة ونفذ في العالم حكمه وقضاؤه وقدره بهذه الرحمة الواحدة وفرغ الحساب ونزل الناس منازلهم من الدارين أضاف سبحانه هذه الرحمة إلى التسع والتسعين رحمة فكانت مائة فأرسلها على عباده مطلقة في الدارين فسرت الرحمة فوسعت كل شيء فمنهم من وسعته بحكم الوجوب ومنهم من وسعته بحكم الامتنان فوسعت كل شيء في موطنه وفي عين شيئيته فتنعم المحرور بالزمهرير والمقرور بالسعير ولو جاء لكل واحد من هذين حال الاعتدال لتعذب فإذا اطلع أهل الجنان على أهل النار زادهم نعيما إلى نعيمهم فوزهم ولو اطلع أهل النار على أهل الجنان لتعذبوا بالاعتدال لما هم فيه من الانحراف ولهذا قابلهم بالنقيض من عموم المائة رحمة وقد كان الحكم في الدنيا بالرحمة الدنيا ما قد علمتم وهي الآن أعني في الآخرة من جملة المائة فما ظنك وكفى فبمثل هذا النظر يقول العارف في الصلاة الرحمن الرحيم ومن هنا يعرف ما يجيبه الحق به من هذا نظره ثم قال الله يقول العبد ملك يوم الدين يقول الله ' مجدني عبدي ' وفي رواية فوض إلي عبدي هذا جواب عام ورد عام كما قررنا ما المراد به فإذا قال العارف ملك يوم الدين لم يقتصر على الدار الآخرة بيوم الدين ورأى أن الرحمن الرحيم لا يفارقان ملك يوم الدين فإنه صفة لهما فيكون الجزاء دنيا وآخرة وكذلك ظهر بما شرع من إقامة الحدود وظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون وهذا هو عين الجزاء فيوم الدنيا أيضا يوم الجزاء والله ملك يوم الدين فيرى العارف أن الكفارات سارية في الدنيا وأن الإنسان في الدار الدنيا لا يسلم من أمر يضيق به صدره ويؤلمه حسا وعقلا حتى قرصة البرغوث والعثرة فالآلام محدودوة موقتة ورحمة الله تعالى غير موقتة فإنها وسعت كل شيء فمنها ما تنال وتحكم من طريق الامتنان وهو أصل الأخذ لها الامتنان ومنها ما يؤخذ من طريق الوجوب الإلهي في قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة وقوله فسأكتبها فالناس يأخذونها جزاء وبعض المخلوقات من المكلفين تنالهم امتنانا حيث كانوا فافهم فكل ألم في الدنيا والآخرة فإنه مكفر لأمور قد وقعت محدودة موقتة وهو جزاء لمن يتألم به من صغير وكبير بشرط تعقل التألم لا بطريق الإحساس بالتألم دون تعقله وهذا المدرك لا يدركه إلا من كشف له فالرضيع لا يتعقل التألم مع الإحساس به إلا أن أبه وأمه وأمثالهما من محبيه وغير محبيه يتألم ويتعقل التألم لما يرى في الرضيع من الأمراض النازلة به فيكون ذلك كفارة لمتعقل الألم فإن زاد ذلك العاقل الترحم به كان مع التكفير عنه مأجورا إذ في كل كبد رطبة أجر وكل كبد فإنها رطبة لأنها بيت الدم والدم حار رطب طبع الحياة وأما الصغير إذا تعقل التألم وطلب النفور عن الأسباب الموجبة للألم واجتنبها فإن له كفارة فيها لما صدر منه مما آلم به غيره من حيوان أو شخص آخر من جنسه أو إباية عما تدعوه إليه أمه أو أبوه أو سائل يسأله أمرا ما فأبى عليه فتألم السائل حيث لم يقض حاجته هذا الصغير فإذا تألم الصغير كان ذلك الألم القائم به جزاء مكفرا لما آلم به ذلك السائل بإبايته عما التسمه منه في سؤاله أو كان قد أذى حيوانا من ضرب كلب بحجر أو قتل برغوث وقملة أو وطىء نملة برجله فقتلها أو كل ما جرى منه بقصد وبغير قصد وسر هذا الأمر عجيب سار في الموجودات حتى الإنسان يتألم بوجود الغيم ويضيق صدره به فإنه كفارة لأمور أتاها قد نسيها أو يعلمها فهذا كله يراه أهل الكشف محققا في قوله ملك يوم الدين فيقول الله فوض إلي عبدي أو مجدني عبدي أو كلاهما إلا أن التمجيد راجع إلى جناب الحق من حيث ما تقتضيه ذاته ومن حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه والتفويض من حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه لا غير فإنه وكيل لهم بالوكالة المفوضة ففي حق قوم يقول مجدني عبدي وفي المقصد وفي حق قوم يقول فوض إلي عبدي وفي المقصد أيضا فإن العبد قد يجمع بين المقصدين فيجمع الله له في الرد بين التمجيد والتفويض فهذا النصف كله مخلص لجناب الله ليس للعبد فيه اشتراك ثم قال الله يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فهذه الآية تتضمن سائلا ومسؤلا مخاطبا وهو الكاف من إياك فيهما ونعبد ونستعين هما للعبد فإنه العابد والمستعين فإذا قال العبد إياك وجد الحق بحرف الخطاب فجعله مواجها لأعلى جهة التحديد ولكن امتثالا لقول الشارع لمثل ذلك السائل في معرض التعليم حين سأله عن الإحسان فقال له صلى الله عليه وسلم أن تعبد الله كأنك تراه فلابد أن تواجهه بحرف الخطاب وهو الكاف أو حرف التاء المنصوبة في المذكر المخفوضة في المؤنث فإني قد أنث الخطاب من حيث الذات وهذا مشهد خيالي فهو برزخي وجاءت هذه الآية برزخية وقع فيها الاشتراك بين الحق وبين عبده وما مضى من الفاتحة مخلص لله وما بقي منها مخلص للعبد وهذه التي نحن فيها مشتركة وإنما وحده ولم يجمعه لأن المعبود واحد وجمع نفسه بنون الجمع في العبادة والعون المطلوب لأن العابدين من العبد كثيرون وكل واحد من العابدين يطلب العون والمقصود بالعبادات واحد فعلى العين عبادة وعلى السمع والبصر واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب فلهذا قال نعبد ونستعين بالنون وإن العالم نظر إلى تفاصيل عالمه وإن الصلاة قد عم حكمها جميع حالاته ظاهرا وباطنا لم ينفرد بذلك جزؤ عن آخر فإنه يقف بكله ويركع بكله ويجلس بكله فجميع عالمه قد اجتمع على عبادة ربه وطلب المعونة منه على عبادته فجاء بنون الجماعة في نعبد ونستعين فترجم اللسان عن الجماعة كما يتكلم الواحد عن الوفد بحضورهم بين يدي الملك فعلم العبد من الحق لما أنزل عليه هذه الآية بإفراده نفسه أن لا يعبد إلا إياه ولما قيد العبد بالنون أنه يريد منه أن يعبده بكله ظاهرا وباطنا من قوى وجوارح ويستعين على ذلك الحد ومتى لم يكن المصلي بهذه المثابة من جمع عالمه على عبادة ربه كان كاذبا في قراءته إذا قال إياك نعبد وإياك نستعين فإن الله ينظر إليه فيراه متلفتا في صلاته أو مشغولا بخاطره في دكانه أو تجارته وهو مع هذا يقول نعبد ويكذب فيقول الله كذبت في كنايتك بجمعيتك على عبادتي ألم تلتفت ببصرك إلى غير قبلتك ألم تصغ بسمعك إلى حديث الحاضرين ألم تعقل بقلبك ما تحدثوا به فأين صدقك في قولك نعبد بنون الجمع فيحضر العارف هذا كله في خاطره فيستحي أن يقول في مناجاته في صلاته إياك نعبد لئلا يقال له كذبت فلا بد أن يجتمع من هذه حالته على عبادة ربه حتى يقول له الحق صدقت إذا تلافى جمعيتك علي في عبادتك إياي وطلب معونتي روينا في هذا الباب على ما حدثنا به شيخنا المقري أبو بكر محمد بن خلف بن صاف اللخمي عن بعض المعلمين من الصالحين أن شخصا صبيا صغيرا كان يقرأ عليه القرآن فرآه مصفر اللون فسأله عن حاله فقيل له أنه يقوم الليل بالقرآن كله فقال له يا ولدي أخبرت أنك تقوم الليل بالقرآن كله فقال هو ما قيل لك فقال يا ولدي إذا كان في هذه الليلة فاحضرني في قبلتك واقرأ علي القرآن في صلاتك ولا تغفل عني فقال الشاب نعم فلما أصبح قال له هل فعلت ما أمرتك به قال نعم يا أستاذ قال وهل ختمت القرآن البارحة قال لا ما قدرت على أكثر من نصف القرآن قال يا ولدي هذا حسن إذا كان في هذه الليلة فاجعل من شئت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامك الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم واقرأ عليه واحذر فإنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تزل في تلاوتك فقال إن شاء الله يا أستاذ كذلك افعل فلما أصبح سأله الأستاذ عن ليلته فقال يا أستاذ ما قدرت على أكثر من ربع القرآن فقال يا ولدي اتل هذه الليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن واعرف بين يدي من تتلوه فقال نعم فلما أصبح قال يا أستاذ ما قدرت طول ليلتي على أكثر من جزء من القرآن أو ما يقاربه فقال يا ولدي إذا كان هذه الليلة فلتكن تقرأ القرآن بين يدي جبريل الذي نزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم فاحذر واعرف قدر من تقرأ عليه فلما أصبح قال يا أستاذ ما قدرت على أكثر من كذا وذكر آيات قليلة من القرآن قال يا ولدي إذا كان هذه الليلة تب إلى الله وتأهب واعلم أن المصلي يناجي ربه وإنك واقف بين يديه تتلو عليه كلامه فانظر حظك من القرآن وحظه وتدبر ما تقرأه فليس المراد جمع الحروف ولا تأليفها ولا حكاية الأقوال وإنما المراد بالقراءة التدبير لمعاني ما تتلوه فلا تكن جاهلا فلما أصبح انتظر الأستاذ الشاب فلم يجيء إليه فبعث من يسأل عن شأنه فقيل له أنه أصبح مريضا يعاد فجاء إليه الأستاذ فلما أبصره الشاب بكى وقال يا أستاذ جزاك الله عني خيرا ما عرفت أني كاذب إلا البارحة لما قمت في مصلاي وأحضرت الحق تعالى وأنا بين يديه أتلو عليه كتابه فلما استفتحت الفاتحة ووصلت إلى قوله إياك نعبد نظرت إلى نفسي فلم أرها تصدق في قولها فاستحييت أن أقول بين يديه إياك نعبد وهو يعلم أني أكذب في مقالتي فإني رأيت نفسي لاهية بخواطرها عن عبادته فبقيت أردد القراءة من أول الفاتحة إلى قوله ملك يوم الدين ولا أقدر أن أقول إياك نعبد إنه ما خلصت لي فبقيت أستحيي أن أكذب بين يديه تعالى فيمقتني فما ركعت حتى طلع الفجر وقد رضت كبدي وما أنا إلا راحل إليه على حالة لا أرضاها من نفسي فما انقضت ثالثة حتى مات الشاب فلما دفن أتى الأستاذ إلى قبره فسأله عن حاله فسمع صوت الشاب من قبره وهو يقول له يا أستاذ : ليلة فاجعل من شئت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامك الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم واقرأ عليه واحذر فإنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تزل في تلاوتك فقال إن شاء الله يا أستاذ كذلك افعل فلما أصبح سأله الأستاذ عن ليلته فقال يا أستاذ ما قدرت على أكثر من ربع القرآن فقال يا ولدي اتل هذه الليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن واعرف بين يدي من تتلوه فقال نعم فلما أصبح قال يا أستاذ ما قدرت طول ليلتي على أكثر من جزء من القرآن أو ما يقاربه فقال يا ولدي إذا كان هذه الليلة فلتكن تقرأ القرآن بين يدي جبريل الذي نزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم فاحذر واعرف قدر من تقرأ عليه فلما أصبح قال يا أستاذ ما قدرت على أكثر من كذا وذكر آيات قليلة من القرآن قال يا ولدي إذا كان هذه الليلة تب إلى الله وتأهب واعلم أن المصلي يناجي ربه وإنك واقف بين يديه تتلو عليه كلامه فانظر حظك من القرآن وحظه وتدبر ما تقرأه فليس المراد جمع الحروف ولا تأليفها ولا حكاية الأقوال وإنما المراد بالقراءة التدبير لمعاني ما تتلوه فلا تكن جاهلا فلما أصبح انتظر الأستاذ الشاب فلم يجيء إليه فبعث من يسأل عن شأنه فقيل له أنه أصبح مريضا يعاد فجاء إليه الأستاذ فلما أبصره الشاب بكى وقال يا أستاذ جزاك الله عني خيرا ما عرفت أني كاذب إلا البارحة لما قمت في مصلاي وأحضرت الحق تعالى وأنا بين يديه أتلو عليه كتابه فلما استفتحت الفاتحة ووصلت إلى قوله إياك نعبد نظرت إلى نفسي فلم أرها تصدق في قولها فاستحييت أن أقول بين يديه إياك نعبد وهو يعلم أني أكذب في مقالتي فإني رأيت نفسي لاهية بخواطرها عن عبادته فبقيت أردد القراءة من أول الفاتحة إلى قوله ملك يوم الدين ولا أقدر أن أقول إياك نعبد إنه ما خلصت لي فبقيت أستحيي أن أكذب بين يديه تعالى فيمقتني فما ركعت حتى طلع الفجر وقد رضت كبدي وما أنا إلا راحل إليه على حالة لا أرضاها من نفسي فما انقضت ثالثة حتى مات الشاب فلما دفن أتى الأستاذ إلى قبره فسأله عن حاله فسمع صوت الشاب من قبره وهو يقول له يا أستاذ : أنا حي عند حي . . . لم يحاسبني بشي

Page 524