484

يذكر أنه لما فرغ علي بن أبي طالب من أمر البصرة في يوم الجمل وخطب الناس وذكر من أمر الملاحم والفتن ما ذكر ثم نزل عن المنبر وذلك في وقت الظهر قام إليه عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين!إن الناس قد اختلفوا، فقائل منهم يقول:

بأنك تريد المقام بالبصرة، وقائل يقول: بأنك منصرف إلى الكوفة، وقد أرجف نفر من أهل عسكرك بأنك تريد الشام، ووالله يا أمير المؤمنين!لقد بايعناك ونحن لا نرى أحدا يقاتلك، ثم قاتلك من بايعك فأعطاك الله ما وعدك، وقد قال الله عز وجل:

ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله [ (1) ]ثم قال: يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم [ (2) ]ثم قال: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [ (3) ]وقال: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه [ (4) ]، وقد كانت الكوفة لنا والبصرة علينا، فأصبحنا بحمد الله على ما نحب من ماض مأجور وراجع معذور، وقد علمت أن بالشام الداء العضال، معاوية بن أبي سفيان، وهو رجل لا يسلم ما في يديه أبدا إلا مغلوبا أو مغلولا أو مسلوبا[أو]مقتولا، فعاجله[ (5) ]قبل الكفر وانهض إليه قبل الحذر.

ثم قام الأشتر النخعي فقال: يا أمير المؤمنين إنما ينبغي لنا أن نقول قبل أن تعزم، فإذا عزمت لم نقل، ولو سرت بهذا الجيش إلى الشام لم يلقك بمثله أبدا، فسر[ (6) ]بنا إلى القلوب القاسية والأبصار العمية.

ثم وثب رجل من عبد القيس وأنشد شعرا لعلي وجعل يحرضه على ذلك.

فنادى علي في الناس بالرحيل، فرحل الناس من البصرة إلى الكوفة فدخلوها يوم الاثنين لستة عشر يوما خلت[ (7) ]من شهر رجب سنة ست وثلاثين، ومعه يومئذ [ (1) ]سورة الحج الآية 60.

[ (2) ]سورة يونس الآية 23.

[ (3) ]سورة فاطر الآية 43.

[ (4) ]سورة الفتح الآية 10.

[ (5) ]الإمامة والسياسة 1/89 فعاجله قبل أن يعاجلك، وانبذ إليه قبل الحرب.

[ (6) ]الإمامة والسياسة 1/89 فإن القلوب اليوم سليمة، والأبصار صحيحة فبادر بالقلوب القسوة، وبالأبصار العمى.

[ (7) ]مر قريبا عن مروج الذهب أنه وصل الكوفة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب.

Page 490