Dans la maison de la révélation
في منزل الوحي
Genres
عدت بعد ذلك مرات إلى المسجد ووقفت أمام الحجرة، لشد ما يبعث هذا الموقف إلى النفس من آي الحكمة ومعاني الجلال! إنه ينشر أمامها حياة الرسول وصاحبيه، وجهادهما معه في سبيل الدعوة إلى دين الله، وجهادهما من بعده لتثبيت دعائم هذه الدعوة ونشرها في الخافقين، إنه يصور أمام الذهن من حياته وحياتهما بساطة في العيش، بل خشونة فيه اتخذوها لهم سنة وشعارا مذ تولوا أمر الناس، فآثروا الناس على أنفسهم وأهليهم، وعافوا متع الحياة وما لها حذر أن يدخل عليهم منه ما ليس لهم بحق، وضربوا بذلك للناس مثلا فيما يجب أن يكون عليه من يلي أمر غيره، وهم قد اتخذوها شعارا وكان لهم في أموالهم سعة، وفيما رزقهم الله متاع، كان محمد غنيا بتجارة خديجة ومالها الكثير، وكان أبو بكر غنيا بتجارته وإلف الناس إياه، وكان عمر غنيا بسعيه واتصال كده، فلما بعث الله رسوله هدى للناس ونورا أنفق مال خديجة ولم يبق منه على شيء، ولما آلت خلافة رسول الله إلى أبي بكر كان الزهد في الدنيا والرغبة عنها، وكان التقوى وخوف الله أن يصيب ظلم رجلا ممن ولي أمرهم، أما عمر فكان مثال العدل الصارم لا يعرف الهوادة مع غيره، وهو أشد قسوة على نفسه وأهله، أليس عجبا أن يكون ذلك شأنهم وأن تكون هذه سيرتهم وعبرتهم، ثم تكون هذه الحجرة النبوية وهي ما هي اليوم جمالا وتألقا في النقش والزخرف والعمارة حتى لتزري بأكثر الحجر في أبهى القصور فخامة وروعة، وحتى لكانت تزري إلى عصر قريب بكل قصر ثراء ونعمة، لما اجتمع فيها من نفائس قدرها بعضهم بسبعة ملايين من الجنيهات؟!
بذلك حدثتني نفسي يوما وأنا بمجلسي من المسجد بعد وقفة طويلة أمام الحجرة، وذكرت لهذا الحديث ما كانت الحجرة عليه قبل أن تضاف إلى المسجد يوم دفن بها الرسول، ويوم دفن بها أبو بكر، ثم يوم دفن بها عمر، كانت هذه الحجرة في بيت عائشة أم المؤمنين، فلما مرض النبي انتقل إليها ومرضه أزواجه فيها حتى اختار الرفيق الأعلى، وكانت هذه الحجرة كالبيت كله من جريد، مستور بمسوح الشعر، أو كان البيت - في قول - من اللبن له حجر من جريد، فلما توفي رسول الله وانتهى المسلمون بعد خلاف إلى دفنه حيث قبض، حفروا له في هذه الغرفة مكان السرير الذي كان يمرض عليه، ودفنوه بعد أن ودع المسلمون جثمانه رجالا ونساءا وأطفالا، ودفن أبو بكر بعد سنتين وثلاثة أشهر من موت الرسول، والحجرة على حالها لم يغير فيها شيء، ولم يقم على القبر قبة ولا مقام، وبعد عشر سنين من موت أبي بكر دفن عمر بالحجرة وهي على حالها لم يزد عليها إلا جدار أقامه عمر بينها وبين سائر الدار التي كانت عائشة تقيم بها، ذكروا أن ابن الخطاب أرسل إلى عائشة لما طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة يسألها أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، لأوثرنه اليوم به، وأوصت أن تدفن مع صواحبها بالبقيع، ولعلها إنما فعلت بعد دفن عمر حتى لا تدفن إلى جواره وهو منها غير ذي رحم محرم، فهي قد كانت تزور حجرة القبر سافرة حين لم يكن بها غير زوجها وأبيها؛ فلما دفن عمر إلى جانبهما لم تكن تدخلها إلا محتجبة لابسة كامل ثيابها.
وبقيت حجرة القبر على بساطتها إلى أن أمر الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة أن يزيد في المسجد وأن يضم حجرات أزواج النبي إليه، وكل ما قيل: إنه حدث قبل ذلك أن وضعت على القبور الثلاثة حجارة مسنمة، وكانت في العهد الأول مسواة بالأرض، وانقض جدار من الحجرة حين أمر عمر بن عبد العزيز ببنائها، فانكشف أحد القبور عن ساق وركبة، فتولى عمر الفزع أن تكون ساق رسول الله وركبته، فلما تبين أنها ساق عمر وركبته زايله الفزع وهدأ روعه، وأمر مولاه مزاحم فقام فسترها وسوى التراب عليها، وبعد ذلك أقيمت الحجرة فخيمة البناء فخامة أعجبت الوليد بن عبد الملك ودعته أن يقول لأبان بن عثمان: «أين بناؤنا من بنائكم؟!» وكان جواب أبان: «بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس.»
بنى عمر بن عبد العزيز الحجرة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين للهجرة، هي إذن قد ظلت ثمانيا وسبعين أو ثمانين سنة بعد وفاة الرسول في مثل بساطتها حين وفاته لم يزد عليها إلا ما قيل عن هذه الأحجار المسنمة، ولم يكن الناس إذ ذاك أقل إكبارا لها وذكرا لصاحبها - عليه السلام - مما كانوا بعد أن بنيت، وأقيم عليها سقف أنفق عمر أربعين ألف دينار ذهبا في إقامته وتزيينه، ولئن تفاوت تقدير الناس إياها، لقد كان المسلمون الأولون في عهد الخلفاء الراشدين والأيام الأولى لعهد بني أمية أدنى إلى التقدير الصحيح، أولئك كانوا الصحابة والتابعين؛ وكانوا لذلك يدركون روح الرسالة وأغراضها إدراكا سليما، لم يكن الخيال ولا كان الهوى السياسي قد عبث بأفئدتهم ولا بمنطق عقولهم، ولم يكونوا لذلك قد اضطربوا بين الإفراط والتفريط، والغلو في ناحية أو العكوف على نقيضها، كانت حياة الرسول وصاحبيه ماثلة أمامهم على حقيقتها التي رأوها؛ وكانوا لذلك يكبرونها ويلتمسون فيها الأسوة، ولم تكن نفس أحد لتطاوعه على عبادة غير الله مما ينكر الإسلام؛ لذلك لم يتحمس أحد من أهل المدينة لما صنع الوليد من بناء الحجرة، بل أنكره كثيرون من أتقيائهم، وبرئوا منه، ورأوا فيه خروجا على الأسوة الحسنة، وحق لهم يومئذ أن يفعلوا وقد أنكر بعض إخوانهم وآبائهم على عثمان بن عفان أن يبني المسجد بالحجارة وأن يخرج به لذلك عن بناء النبي إياه باللبن والجريد وخشب النخل يجعلها له عمدا.
أراني أشد ميلا لرأي هؤلاء المسلمين الأولين فيما صنع الوليد بن عبد الملك، فلو أن الحجرة بقيت كما كانت يوم دفن بها رسول الله لكان منظرها أقوى إلهاما من منظر الحجرة المزخرفة البديعة النقش الجميلة العمد الثمينة الأثاث، والتي تبعث إلى النفس من الروعة أكثر مما تدعو إليه من الأسوة والعبرة، كانت تلك الحجرة الأولى صورة حية من حياة رسول الله، ومن جهاده، ومن آلامه، ومن مرضه ومن دفنه، أين يرى الإنسان اليوم حجرة الرسول التي كانت مثل التقشف ومظهر الخشونة في العيش والبراءة من كل زينة وبهرج؟ أين موضع فراشه فيها، وكان أدما حشوه ليف؟ أين هذه الصورة التي تملأ النفس روعة، صورة الرسول في بيته وفي مهنة أهله، ينظف ثوبه ويرقعه، ويحلب شاته، ويخصف نعله ويخدم نفسه، ويأكل مع الخادم؟ أين هذا المكان الساذج يجلس محمد فيه إلى أهله وهو اللطف بهم والدعابة معهم، والبر والرأفة والرحمة؟ أين هذا الباب الذي لم يكن عليه قفل، والذي كان محمد يفتحه لديك مريض فيترفق به ويمرضه؟! ترى أين كانت الغرفة التي أقام بها رسول الله حين هجر نساءه شهرا لما لجت الغيرة بهن بعد أن ولدت مارية ابنه إبراهيم؟ وأين من حجرات أزواجه كان مجلسه المفضل للتفكير والتأمل، ولتنظيم سياسة المسلمين وتوجيههم في مختلف شئونهم؟ وأين من هذه الحجرات نزل عليه الوحي؟ وأين فيها سرير مرضه وحيث كان به من لهب الحمى ما يعاني منه أشد الكرب؟ وأين منها المكان الذي مر به المسلمون بعد موته وغسله، رجالا ونساء وأطفالا، يودعون جثمان نبي الله ورسوله، ويشهدون أنه بلغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه؟ لم يبق من ذلك كله أثر بعد أن ضمت الحجرات إلى المسجد، فلم يبق لزائر المدينة أن يقف على تفصيله أو أن يستمد إلهامه، وقد كان له في الإسلام وفي حياة المسلمين أبلغ الأثر، ألا لو أن ذلك كله بقي إلى اليوم لألهم المؤرخين والكتاب والشعراء ورجال الفن ما لم تلهمهم الحجرة البديعة الزخرف مذ شادها عمر بن عبد العزيز، لم يفكر الوليد في شيء من هذا يوم أمر بهدم الحجرات وإدخالها في المسجد، وإنما فكر في حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وفاطمة بنت الحسين وفي الدعوة العلوية وفي هذه الخصومة التي استحرت بين بني هاشم وبني أمية بعد مقتل عثمان ، ولو أنه فكر في شيء مما ذكرت أو وجد من يذكره به لما عدل أغلب الأمر عن رأيه، فالهوى السياسي أعنف من أن يذرنا نفكر في أمر سواه، وهو كذلك خاصة إذا اتصل بالملك وما يحيط به من شهوات أهواء.
بذلك حدثتني نفسي يوما وأنا بمجلسي من المسجد بعد وقفة طويلة أمام الحجرة، وذكرت لذلك ما حدث من عمارة الحجرة بعد الوليد، وكيف نهج غيره نهجه في البناء والزخرفة، وكيف نسي المسلمون العهد الأول ووقر في نفوسهم أن كل زخرف يضيفونه إلى الحجرة يقربهم إلى الله، ولقد بلغ أمرهم من ذلك أن اختلفوا على موضع المدفونين بالحجرة بعضهم من بعض، هذا وأبو بكر وعمر وزيرا رسول الله في حياته وخليفتاه بعد موته، وهما اللذان ثبتا قواعد الإسلام ونشرا في الخافقين لواءه، ولقد بلغ من اختلافهم على هذه المواضع أن روى السمهودي عنها سبع روايات اعتمد في كل منها على راوية لروايته مبلغها من القوة أو الضعف، ونقل السمهودي ما صورت به هذه المواضع في مختلف الروايات على النحو الآتي:
هذه هي الأوضاع التي ذكرها السمهودي، وهي سبعة يمكن أن ترد إلى ستة، وأنت تستطيع كما ترى أن تعتبرها ثمانية، على أن الوضع الأول منها هو المأثور، والرواية فيه أن رأس النبي وضع إلى ناحية الغرب، وأن رأس أبي بكر وضع إزاء منكبي النبي، وأن رأس عمر وضع إزاء منكبي أبي بكر وهذا الخلاف على وضع أبي بكر وعمر من النبي يقع مثله على بناء الحجرة حين شادها عمر بن عبد العزيز، فقد ذكروا أنه بناها مخمسة ولم يبنها مربعة خيفة أن يتخذها المسلمون قبلة يتوجهون إليها في صلواتهم، أما السمهودي فيقول: إنه رآها حين عمارة المسجد في عصره، أي: في القرن التاسع الهجري، وأنه ألفاها مربعة، وأن تخميسها كان بعد ذلك، وقبر النبي معلم اليوم بمسمار من الفضة موضوع في الجدار القبلي من الخارج، والمأثور أنه قبالة الرأس، وقد وضع هذا المسمار في عهد متأخر، ولكنه يشير إلى موضع الرأس لا ريب، فالمسلمون قد حرصوا على الدقة في تحديد قبر النبي وإن لم يحرصوا على مثلها في تحديد قبري صاحبيه.
وهذا الخلاف على تحديد مواضع القبور من الحجرة إنما حدث في عهد متأخر، فقد رأيت أنه لما انقض جدار وانكشفت بذلك ساق وركبة في ولاية عمر بن عبد العزيز المدينة عرفوا أنها ساق عمر وركبته، مما يدل على أن مواضع القبور كانت محددة يومئذ أدق التحديد، فلما أقيمت الحجرة حولها ولم يكن يدخل إليها إلا الموكلون بها، وقل منهم العلماء، بدأ هذا الخلاف، ولا نعرف من الذي بدأ بإثارته، ولو أن الحجرة بقيت على صورتها الأولى لما حدث خلاف؛ ولما ترتب على هذا الخلاف ما ترتب عليه من جدل طويل.
فاتني أن أشير إلى ما يذكرونه عن قبر رابع موجود بالحجرة إلى جانب القبور الثلاثة، وما يروى من أن هذا القبر لعيسى بن مريم، وما ينسب إلى النبي
صلى الله عليه وسلم
Page inconnue