قال القرطبي: (والصواب: الأول) (١)، وقال المصنف: (الظاهر: أن هذا الخلاف مخرجٌ على الخلاف المعروف في الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب، والأصح: أنها لا يحكم فيها بحلٍّ ولا حرمةٍ، ولا إباحةٍ ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع) اهـ (٢)، واعترضه جماعةٌ من المتأخرين كما بيَّنتُه مع الجواب عنه في "شرح العباب" في (باب النجاسة).
قال القرطبي: (ودليل الحل: أن الشرع أخرجها من قسم الحرام، وأشار إلى أن الورع تركها بقوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك") (٣).
ومن عبَّر بـ (أنها حلال يتورع عنها). . أراد بـ (الحلال) مطلق الجائز الشامل للمكروه، بدليل قوله: (يتورع عنها) لا المباح المستوي الطرفين؛ لأنه لا يتصور فيه ورعٌ ما داما مستويين، بخلاف ما إذا ترجَّح أحدهما؛ فإنه إن كان الراجح الترك. . كُره، أو الفعل. . نُدب.
لا يقال: هو ﷺ وأكثر أصحابه زهدوا في التنعُّم في المأكل وغيره مع إباحته؛ لأنا نمنع إباحته بأنهم إنما زهدوا في مُترجِّح الترك شرعًا، وهذه حقيقة المكروه، لكنه تارةً يكرهه الشرع لذاته؛ كأكل متروك التّسمية عندنا، وتارةً يكرهه لخوف مفسدةٍ تترتَّب عليه؛ كالقُبْلة لصائمٍ لم تحرِّك شهوته (٤)، وتركهم التنعم من هذا؛ لأنه يترتب عليه مفاسد حالية كالركون للدنيا، ومآلية كالحساب عليه في الآخرة، وعدم القيام بشكره، وغير ذلك.
والدليلُ على أن ترك الشبهات ورعٌ: قولُه ﷺ لمن تزوج امرأةً -فقالت له سوداء: قد أرضعتكما-: "أليس وقد قيل؟! دعها عنكَ" (٥).
(١) انظر "المفهم" (٤/ ٤٨٨).
(٢) انظر "شرح صحيح مسلم" (١١/ ٢٨).
(٣) انظر "المفهم" (٤/ ٤٨٨).
(٤) المعتمد: أن القُبْلة للصائم إن حركت شهوته: بأن خاف الإنزال أو الجماع. . حرمت، وإن لم تحرك شهوته. . كانت خلاف الأَولى، وعبارة "المنهج": وحَرُم نحو لمسٍ إن حرك شهوة، وإلَّا. . فتركه أولى. اهـ "مدابغى"
(٥) أخرجه البخاري (٢٦٦٠)، والترمذي (١١٥١)، والنسائي (٦/ ١٠٩) عن سيدنا عقبة بن الحارث ﵁.
1 / 240
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]