La Grâce d'Allah, le Merveilleux à l'Exposition du Livre de l'Unicité
فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد
وقد اختلف العلماء في التأويل فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث والقرآن، المسبوقة على العدوى وهم الأكثرون ومنهم من يقول: إنه لم يرد إبطالها فقد قال صلى الله عليه وسلم: "فر من المجذوم، كما تفر من الأسد" 1. وقال: "لا يوردن ذو عاهة على مصح" 2 وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة فإنهم كانوا يرون أن العلل المعدية مؤثرة لا محالة فأعلمهم صلى الله عليه وسلم بقوله هذا أن الأمر ليس على ما تتوهمون بل هو متعلق بالمشيئة إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن، ويشير إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن # أعدى الأول؟ ". أي إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير فمن أعدى الأول وبين بقوله ذلك من المجذوم وبقوله: لا يوردن ذو عاهة على مصح أن ملاقاة ذلك من أسباب العلة فليتقه اتقاء الجدار المائل والسفينة المعيوبة. وقد رد الفرقة الأولى على الثانية في استدلالهم بالحديثين أن النهي فيهما إنما جاء شفقا على مباشرة أحد الأمرين فتصيبه علة في نفسه أو عاهة في إبله فيعتقد أن العدوى حق. قال الرازي: القول الثاني أولى التأويلين لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، ثم لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية ولم يرد الشرع بتعطيلها بل ورد بإثباتها والعبرة بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد ولا مناقضة في القبول في القول بها على الوجه الذي ذكرناه، وأما استدلالهم بالقرائن المسبوقة عليها فإنا قد وجدنا الشارع يجمع في النهي بين ما هو حرام وبين ما هو مكروه وبين ما هو منهي عنه لمعنى وبين ما ينهى عنه لمعان كثيرة ويدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم المبايع: "قد بايعناك فارجع" 1. في حديث الشريد بن سويد الثقفي وهو مذكور بعد قوله للمجذوم أخذ بيده فوضعها معه في القصعة كل ثقة بالله وتوكلا عليه ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه يبين بالأول التوقي من أسباب التلف وبالثاني التوكل على الله فقوله: ارجع بايعناك رخصة لمن لم يكن له درجة التوكل أن يراعي الأسباب والله أعلم "ولا طيرة" وقد مضى تفسيره في باب ذكر العيافة والطرق والطيرة "ولا هامة" قال أبو داود في سننه قال: بقية سألت محمد بن راشد عن قوله: ولا هامة فقال: أهل الجاهلية كانوا يعتقدون ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج # من قبره هامة هي بتخفيف الميم على المشهور، وقيل بتشديدها، وفيها تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بها وهي من طير الليل وقيل: هي البومة قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم فرآها ناعية له نفسه أو بعض أهله وهو تفسير مالك بن أنس، وثانيهما: كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين معا وأنهما باطلان، "ولا صفر" 1 قال أبو داود في سننه: قال بقية سألت محمد بن راشد عنه قال: وكانوا يستشئمون بدخول صفر فقاله النبي صلى الله عليه وسلم قال: وسمعت من يقول هو وجع يأخذ في البطن يزعمون أنه يعدي قال أبو داود: وقال مالك: كان أهل الجاهلية يحلون صفر عاما ويحرمونه عاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صفر، وقيل: كانت العرب تعتقد أن في البطن دابة تهيج عند الجوع وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب وهذا التفسير هو الصحيح وبه قال مطرف وابن وهب وأبو عبيد وغيرهم، وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث فتعين اعتماده، قال الراغب: سمعت العرب يعنون بالصفر الذي هو بالجوف حية الجوف من حيث إنه يتألم به الجوف وذلك أن العرق الممتد من الكبد إلى المعدة إذا لم يجد غذاء امتص آخر المعدة فاعتقدت جهلة العرب أن ذلك حية في البطن يعض الشراسيف حتى نفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لا صفر، وأنشد الأعشى:
لا يعمر الساق من أين ولا تعب ... ولا يعض على سرسوفه الصفر
Page 336