الفن إذن قد يشبع الحاجة الدينية لعصر ينمو بحدة لا يحتملها الدين الدوجماوي، ولكي ينجح في ذلك يجب أن يوسع من نطاق تأثيره، ينبغي أن يكون هناك مزيد من الفن الشعبي، مزيد من ذلك الفن الذي لا أهمية له بالنسبة للعالم ولكنه مهم بالنسبة للفرد؛ إذ من الجائز أن يكون الفن من المرتبة الثانية وهو مع ذلك فن أصيل، وينبغي كذلك ألا يكون الفن احترافيا كله، ونحن لن نحقق ذلك بأن نرشو أفضل الفنانين لكي يحطوا من قدر أنفسهم، بل بتمكين كل إنسان أن يبدع من الفن قدر استطاعته؛ فمن المحتمل أن معظم الناس قادرون على التعبير عن أنفسهم إلى حد ما في شكل، ومن المؤكد أنهم بهذا التعبير يمكن أن يظفروا بسعادة غير عادية، أما من ليس لديهم شيء يعبرون عنه على الإطلاق، وليس لديهم أية قدرة على التعبير فهم أخطاء الطبيعة. أولئك ينبغي أن يعالجوا بحنو إلى جانب المعتوهين الميئوس من حالتهم والمصابين باستسقاء الدماغ، أما بالنسبة للأغلبية فمن المتيقن أن لديهم انفعالات غامضة ولكن عميقة، ومن المتيقن أيضا أنهم لا يستطيعون أن يدركوا هذه الانفعالات إلا في التعبير الشكلي، أن يقفز المرء ويصيح، ذلك تعبير عن النفس وإن لم يشف غليلا، ولكن أدخل فكرة الشكلية تجد في الرقص والغناء بهجة مشبعة، الشكل هو الطلسم. وبالشكل تتحول الانفعالات الغامضة والعصية وغير الأرضية إلى شيء ما محدد ومنطقي وماثل فوق الأرض. إن صنع أشياء نافعة هو عمل موحش، ولكن صنعها وفقا للقوانين الباطنية للتعبير الشكلي هو في منتصف الطريق إلى السعادة، وإذا كان للفن أن يقوم مقام الدين فلا بد أن يكون في متناول من هم بحاجة إلى الدين، ومن السبل الواضحة لتحقيق ذلك أن ندخل في العمل النفعي هزة الإبداع.
ولكن العمل النفعي على أية حال يجب أن يظل آليا في معظمه، وإذا شاء العاملون النفعيون أن يعبروا عن أنفسهم على أتم نحو ممكن فلا بد لهم أن يقوموا بهذا التعبير في أوقات فراغهم. هناك صنفان من التعبير الشكلي متاحان للجميع؛ الرقص والغناء. ومن المحقق أنه في الرقص والغناء يكون العاديون من الناس أقرب ما يكونون من الإبداع. إن فناني الطبقة الأولى ندرة، وغير متاح أن يشهد منهم أي عصر من العصور أكثر من بضعة، ولكن ربما يحفل أي عصر من العصور بملايين من الفنانين الحقيقيين. إن الفن الذي لا يرقى إلى مستوى المعرض العام لا بأس بأن نبدعه رغم ذلك، لمتعتنا الخاصة، وما إن نستوعب هذا المبدأ حتى لا يعود أحد يستشعر خجلا حين يسمى هاويا. ولن يكون علينا أن ندعي أن جميع أصدقائنا فنانون عظام؛ لأنهم هم أنفسهم لن يزعموا مثل هذا الزعم، وهم في الدولة العظمى المأمولة لن يكونوا في فئة الشحاذين الإلهيين، بل سيكون أصدقاؤنا هواة يستخدمون الفن عن وعي كوسيلة إلى الغبطة الوجدانية، ولن يكونوا فنانين يستخدمون كل شيء عن وعي أو عن غير وعي كوسيلة إلى الفن، فلنرقص إذن ونغن؛ فالرقص والغناء فنون حقيقة، ليس فيها غناء مادي وإنما قيمتها كلها في دلالتها الإستطيقية. لنرقص، قبل كل شيء، ونبتكر رقصات؛ فالرقص فن شديد الخلوص، خلق للشكل المجرد، وإذا شئنا أن نجد في الفن إشباعا عاطفيا فمن الضروري أن نصبح خالقين للشكل، من الضروري ألا نقنع بمجرد التأمل بل يجب أن نبدع، يجب أن نكون إيجابيين في تعاملنا مع الفن.
وهنا سأصطدم ببعض الشخصيات الممتازة من الرجال والنساء الذين يحاولون أن «يدخلوا الفن في حياة الناس» بأن يزجوا بأطفال المدارس وفتيات المصانع زرافات خلال الجاليري القومي والمتحف البريطاني. من منا لم يألف رؤية هذه القطعان الصغيرة من الضحايا تلغط وتدلف خلال المعارض وتزيد جو المتحف كآبة على كآبته؟ أي فعلة يفعلها بحساسيتهم الأصلية معلم جاد وبيده فهرس التواريخ والأسماء والتعليقات المناسبة؟ ما علاقة كل هذه البطاقات في الميثولوجيا والتاريخ، وهذا الجذل البيداجوجي
8
والطرب المشائي، ما علاقة ذلك بالانفعال الأصيل؟ في زي أي دجال مريع مبهم يقدم الفن إلى الناس؟ إن الأثر الوحيد الذي يمكن أن تتركه الزيارات الشخصية للمتاحف هو أنها تؤكد للضحايا شكوكهم بأن الفن شيء بعيد غاية البعد مهيب موحش إلى غير حد. إنهم ينصرفون وفي قلوبهم إجلال مشوب بالرعب الدائم تجاه ذلك السفنكس (أبي الهول) القديم الرابض في ميدان ترافالجر يطرح على العابرين أحاجي لا تستأهل الإجابة، ذلك السفنكس الذي يعنى به المثقفون ويطعمه الأغنياء.
9
تعلم المشي أولا قبل أن تحاول العدو، فإذا كان بوسع صانع ذي حساسية فائقة أن يفيد فائدة ما من روائع الجاليري القومي (شريطة ألا يقترب منه مثقف يريد أن يخبره بما يجب أن يحسه، أو يمنعه أن يحس على الإطلاق بأن يدعوه إلى التفكير) فإن من الأفضل كثيرا للصانع ذي الحساسية العادية ألا يرتاد المعرض حتى يكتسب، بمحاولة التعبير عن نفسه في الشكل، بصيصا من الرأي الصائب عما يصبو إليه الفنانون، ومن المؤكد أن بمقدور كل إنسان تقريبا، رجلا كان أو امرأة، أن يكون فنانا صغيرا ما دام كل طفل تقريبا هو فنان، ثمة حس بالشكل يمكن أن نلمسه في معظم الأطفال، فماذا يحل به؟ إنها الحكاية القديمة: الطفل أبو الرجل، وإذا شئت أن تحتفظ للرجل بالهبة التي ولد بها، فلا بد أن تتعهده صغيرا، أو بالأحرى تحميه أن يتعهد! فهل نستطيع أن نرفع عنه أيدي الآباء والمعلمين وأنظمة التعليم التي تحول الأطفال إلى رجال ونساء عصريين؟ هل نستطيع أن ننقذ الفنان الكامن في كل طفل تقريبا؟ إننا نستطيع على الأقل أن نقدم بعض النصائح العملية؛ لا تعبثوا برد الفعل الانفعالي المباشر تجاه الأشياء الذي هو عبقرية الأطفال، لا تتصوروا أن البالغين هم بالضرورة أفضل من يقضي بما هو خير وما هو هام، لا تبلغ بكم الغفلة أن تفترضوا أن ما يثير انفعال العم هو أطرف مما يثير تومي، لا تظنوا أن طنا من الخبرة تعدل ومضة من البصيرة، ولا تنسوا أن معرفة الحياة لا تسعف أحدا في فهم الفن؛ ولذا لا تعلموا الأطفال أن يكونوا أي شيء أو يحسوا أي شيء، فقط ضعوهم على الطريق؛ طريق اكتشاف ماذا يريدون وماذا يكونون. حسبي بذلك من نصائح عامة، أما ما أود قوله على وجه التخصيص فهو ألا تأخذوا الأطفال إلى معارض الصور والمتاحف، وأهم من ذلك بالطبع ألا ترسلوهم إلى مدارس الفن التي تعلمهم النزعة التجارية الادعائية، لا تشجعوهم أن يلتحقوا بنقابات الفنون والحرف حيث يحتمل أن يتعلموا حرفة ولكنهم سيفقدون حسهم الفني، في هذه المؤسسات الموقرة يسود تصور سام عن العمل الصادق والحرفية الأمينة، فيا للأسف لماذا لا يتذكر أولئك الحريصون على الصدق والأمانة أن هناك أشياء أخرى في الحياة؟ إن لحرفيي النقابات الصادقين مثلا أعلى عمليا وجديرا بالثناء، غير أنه مثل محدود وضيق الأفق، مثل أخلاقي وليس فنيا. إن الحرفيين رجال مبدأ، وهم مثل كل رجال المبادئ قد أقلعوا عن عادة التفكير والشعور؛ لأنهم وجدوا أسهل عليهم أن يسألوا ويجيبوا عن سؤال «هل هذا يتفق مع مبادئي؟» من أن يسألوا ويجيبوا عن سؤال «هل أحس أن هذا خير أو حق أو جميل؟» ولذا أقول لكم لا تشجعوا طفلا أن ينخرط في «الفنون والحرف»
Arts and Crafts ؛ فالفن لا يقوم على الحرفة بل على الحساسية، إنه لا يعيش بالعمل الأمين بل بالإلهام، إنه شيء لا يعلم في الورش وفصول المدارس بواسطة الحرفيين والمعلمين المتحذلقين، وإن أمكن إنضاجه في الأستوديوهات بواسطة أساتذة من الفنانين، صحيح أن الصبي لا بد أن يكون حرفيا جيدا إذا شاء أن يكون فنانا جيدا، ولكن لندعه يعلم نفسه حيل صناعته بالتجربة، التجربة في الفن لا في الحرفة.
وأود أن أقول لأولئك الذين يشغلون أنفسهم بمسألة إدخال الفن في حياة الناس: لا تلهوا بلعبة «الإحياء». إن اللفظة ذاتها تحمل رائحة المدفن، الإحياء ينظر إلى الوراء، بينما الفن معني بالحاضر، ولن نغري الناس بالإبداع بأن نعلمها أن تقلد، وأرى أن إحياء رقصة المريسة
morris-dancing
Page inconnue