La Philosophie Anglaise en Cent Ans (Première Partie)
الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)
Genres
أما المذهب الحدسي فهو مبني على الاعتقاد بوجود بديهيات أخلاقية، أي مبادئ لها صحة واضحة بذاتها، ومن أمثلتها أنه لا ينبغي لي أن أفضل خيرا حاضرا على خير أعظم منه في المستقبل، أو خيرا لذاتي على خير أعظم منه لغيري. أما القضايا المماثلة للقضية القائلة إن من واجبي قول الصدق والوفاء بالوعد، فليست بداهتها مباشرة كالسابقة، غير أن المبادئ المعترف بها اعترافا عاما، كالحيطة والعدالة والإحسان، تشمل على أية حال عناصر يدركها الذهن مباشرة، ويرى سدجويك أن المذهب الحدسي يتمثل على أوضح نحو لدى «كلارك» و«كانت»، ونستطيع أن نضيف إليهما «مارتينو
Martineau »، الذي لم تكن نظريته قد نشرت في صورتها الناضجة عندما ظهر كتاب سدجويك لأول مرة. أما بالنسبة إلى مذهب اللذة
hedonism ، فإن سدجويك قد أسدى خدمة هامة إذ ميز تمييزا قاطعا بين نوعين منه، فمذهب اللذة الأناني، الذي يمثله أبيقور، يتخذ من لذة المرء نفسه وألمه معيارا للسلوك، ويدعم هذا الرأي بالنظرية النفسية القائلة إن هدف كل فعل لنا إنما هو تحصيل اللذة أو تجنب الألم، ويضيف إلى ذلك الرأي القائل إن اللذة والألم قابلان للقياس وللمقارنة فيما بينهما، بحيث يكون من الممكن مواجهتهما الواحد بالآخر والبحث عن توازن ملائم بينهما. وأما مذهب المنفعة، كما يتمثل لدى بنتام وجون ستيوارت مل، فيتخذ معيارا للسلوك، لا من سعادة كل فرد، بل من سعادة الجميع، ففي كل فعل لي يتعين علي مراعاة مصالح جميع الأشخاص الآخرين الذين قد يتأثرون به، وهكذا كانت الصيغة التي تلخص رأي بنتام هي «أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس.» ولم يكن في وسع سدجويك أن يهتدي في أي من هذه المذاهب إلى ذلك الذي يمكنه أن يقول إنه يمثل مذهبه الخاص، ولقد كان الذي يسعى إليه هو مركب يجمع أكبر قدر ممكن مما يبدو له صحيحا في كل من هذه المذاهب، على الرغم من أن ما توصل إليه لم يكن إلا حلا وسطا غير مرض. ولقد كان أبغض المذاهب إليه هو الأنانية، في صورتيها الأخلاقية والنفسانية، وقد رفضها في النهاية رفضا قاطعا، بوصفها منافية للتجربة والعقل معا. أما مذهب اللذة الشاملة، فقد سار معه سدجويك شوطا بعيدا، ولكنه عدله تعديلا أساسيا، متجاوزا مل بتنكره لمذهب اللذة النفسي الذي ارتكز عليه المذهب كله عند مل، وملتمسا له أساسا مخالفا تماما. وكان مطلبه يسير في اتجاه المذهب الحدسي، الذي وجد أن الغاية الأخلاقية لا تكون في الاستقراء التجريبي، وإنما تكون في التبصر العقلي المباشر، وقد اختلفت الآراء كثيرا حول المصدر الذي تأثر به في هذا الصدد، وهل هو الأخلاقيون الإنجليز القدامى مثل كلارك وبطلر، أم هو كانت و«لوتسه
Lotze »؟ والأرجح أنه تأثر بالجميع، ولكن من الواجب استبعاد أي اقتباس عميق منه للأخلاق المثالية الألمانية؛ إذ إنه كان متمسكا بأركان أساسية في المذهب النفعي، واكتفى بتصحيحه وتعديله وتوسيعه، ولم يحاول أبدا أن ينشق عنه. أما العناصر التي اقتبسها فعلا فلم تكن مرتبطة بتفكيره إلا ارتباطا خارجيا، لا متمثلة فيه عضويا، ونستطيع أن نشير - للدلالة على ذلك - إلى الموقف العدائي الذي سرعان ما اتخذه نحو سدجويك الأخلاقيون الإنجليز الأحدث عهدا، الذين تأثروا بالمثالية الألمانية، وهو موقف نجد تعبيرا واضحا عنه في كتاب برادلي «دراسات أخلاقية
Etbical Studies » (1876) وفي كتيبه الخاص «مذهب اللذة عند سدجويك
Mr. Sidgwick’s Hedonism » (1877)، فضلا عن كتاب جرين «مدخل إلى الأخلاق
» (1883) الذي اتخذ من سدجويك هدفا مستمرا للهجوم، ولقد كان سدجويك ذاته شاعرا بهذه العداوة، ويتضح عجزه عن إنصاف مدرسة أكسفورد كما تتمثل في «جرين» بجلاء في كتابه الذي صدر بعد وفاته بعنوان «محاضرات في المذهب الأخلاقي عند جرين وسبنسر ومارتينو
Lectures on the Ethics of Green, Spencer and Martineau ».
وعلى ذلك فإن موقف سدجويك الخاص، بقدر ما يمكن القول إن له موقفا خاصا، هو أقرب إلى الجمع بين عناصر مستمدة من المذهب الحدسي والمذهب النفعي، والتوفيق بين الأخلاق العقلية والأخلاق التجريبية، وهما التياران الرئيسيان في الفلسفة الأخلاقية الإنجليزية، اللذان كانا من قبله في صراع، أو على الأقل كان كل منهما متباعدا عن الآخر. ولقد أطلق هو ذاته على مذهبه اسم مذهب المنفعة، وأحيانا كان يطلق عليه اسما أوضح، هو مذهب المنفعة المبني على أساس حدسي، وبذلك لفت الأنظار إلى الوجه الذي أراد أن يؤكده أكثر من غيره، ولا تكاد تظهر في مذهبه أية علامات للمذهب التطوري عند سبنسر وهكسلي وستيفن وألكسندر، وغيرهم، وهم الذين عملوا جميعا على تطبيق مبادئ دارون على الأخلاق بعد ظهور كتاب سدجويك، وعلى الرغم من أنه حاول في الطبعات التالية لكتابه أن يعرض لهذا المذهب، فمن الواجب أن يوصف موقفه، حتى في النهاية، بأنه سابق على مذهب التطور، وربما مضاد له، كما أنه رفض في الطبعات التالية المذهب الحدسي الخالص عند مارتينو، ومعه مثالية جرين، وأصبح هذان المفكران، ومعهما سبنسر ، هدفا لهجوم خاص وجهه إليهم في المحاضرات التي نشرت بعد وفاته، والتي أشرنا إليها من قبل.
ولقد أدى إبعاد سدجويك لمذهب المنفعة عن مذهب اللذة الفردي الذي كان يرتبط به، إلى ترك الطريق مفتوحا لوضع أساس عقلي حدسي لهذا المذهب، فقد رأى أن من الخطأ في ملاحظة ما يحدث في الواقع أن يقال إن الغاية الوحيدة للنزوع الإرادي هي تحصيل اللذة وتجنب الألم، وذهب إلى أنه حتى لو صح هذا لكان من المستحيل الانتقال - بنوع من الاستقراء - من هذه الأنانية إلى المبدأ النفعي القائل بالسعادة الشاملة؛ ذلك لأن من المستحيل جعل الوقائع الذهنية محددة للمعايير الأخلاقية، أي جعل ما هو كائن محددا لما ينبغي أن يكون، فليس لأصل أفكارنا الأخلاقية أي شأن بصحة هذه الأفكار، وبهذا التأكيد لفكرة الوجوب خطا سدجويك خطوة حاسمة تجاوز بها كل أخلاق تجريبية، وإن يكن قد ظل كعادته في موقف وسط، بالقول إن موضوع الالتزام - أي المثل الأخلاقي الأعلى - هو السعادة لا الواجب، فهناك مثل أعلى يدركه الحدس ويضمنه، وله من الوضوح واليقين بقدر ما لأية بديهية رياضية، هو المثل الأعلى القائل: إن من واجبي، بوصفي كائنا عاقلا، أن أعامل الآخرين كما أود أن أعامل في الظروف المماثلة، وهذا هو مبدأ العدالة، أما مبدأ الحيطة
Page inconnue