La philosophie allemande : une très brève introduction
الفلسفة الألمانية: مقدمة قصيرة جدا
Genres
يظهر التطور الآخر للفلسفة التحليلية في النصف الأول من القرن العشرين في الغالب في بريطانيا والنمسا، ولا سيما في عمل برتراند راسل وجي إي مور ولودفيج فيتجنشتاين و«حلقة فيينا» - وهي مجموعة من الفلاسفة والعلماء الطبيعيين الذين بدءوا الاجتماع في فيينا في عشرينيات القرن العشرين، وثمة حلقة مماثلة في برلين سيصبح بعض أعضائها، أمثال هانز رايشنباخ، ذوي شأن في الولايات المتحدة، وقد أصبحت أفكارهم في النهاية سائدة في كثير من أنحاء العالم. ويعزى هذا في جانب منه إلى أن كثيرا من أعضاء الحلقة نفاهم النازيون، بينما يعزى في جانب آخر إلى افتراضهم أن الفلسفة ينبغي أن تكون توافقات علمية؛ نظرا للهيمنة المتزايدة للعلوم في العالم الأكاديمي. ومع ذلك، فلم يعد الآن مشروع حلقة فيينا لمزاوجة الفلسفة والعلم الطبيعي من خلال نظرية المعنى هو محور التركيز الأكبر للنقاش في الفلسفة الأنجلو-أمريكية. (حالة فيتجنشتاين معقدة، ولم يلعب عمله دورا كبيرا في الفلسفة الألمانية على وجه التحديد حتى سبعينيات القرن العشرين.) ولم تصبح المناهج التحليلية مهمة في الحياة الفلسفية الألمانية إلا من خلال عمل أرنست توجندهات وكارل أوتو أبل في ألمانيا منذ سبعينيات القرن العشرين. وحتى ذلك الوقت، كانت فلسفة الظواهر هي التي تشكل مع الكانطية الجديدة محور التركيز الرئيسي للفلسفة الأكاديمية.
هوسرل وفلسفة الظواهر
تكمن أهمية فلسفة الظواهر في تحدياتها لفرضية أن التفسير السببي في العلوم الطبيعية لن يترك شيئا للفلسفة في النهاية لتقوم به، ولا شك أن المناهج التحليلية تحد من نطاق تركيز الفلسفة وتستبعد كثيرا من تعقيد خبرتنا بالعالم. فعلى سبيل المثال، ربما تسعى نظريات الزمن في الفلسفة إلى شرح الطبيعة الجوهرية للزمن أو شرح كيفية ارتباطه بالمكان، لكن هذه التفسيرات لن تكون بالضرورة ملائمة للطرق التي نعايش بها الزمن. ويؤسس إدموند هوسرل (1859-1938) عمله على فكرة أن الفلسفة لم تعبر بطريقة ملائمة عن الطرق التي يقدم بها العالم نفسه إلينا، فهذه الطرق تتطلب منهجا يوضح الكيفية التي نعايش بها الوقت، ليس كتتابع من «الآنات» المنفصلة، بل كبنية من التوقعات والخبرات المحفوظة التي تشكل «معنى» الوقت بالنسبة لنا.
عمل هوسرل في فترة كان فيها «المذهب الحيوي» - فكرة أن الحياة إما تفوق التصورات التي نستخدمها لفهمها، وإما هي مقاومة بطبعها للتصور - يلعب دورا مهما في الحياة الثقافية، وهذا لأسباب أهمها أحداث من قبيل الحرب العالمية الأولى، التي تظهر طبيعتها الكارثية على ما يبدو إخفاق الفكر في فهم طبيعة الواقع الحديث. ويكمن جوهر المذهب الحيوي في مسألة الحدس لدى شوبنهاور ونيتشه، وتظهر ملامح من الفكرة لدى دلتاي، ولدى مفكرين أمثال لودفيج كلاجيز (1872-1956). ومن الأهمية بمكان أن انتقادات الأخير للعقلانية والتكنولوجيا الحديثة من حيث تأثيراتهما السلبية على «الحياة» تصاحبها نفس الانتماءات السياسية المشكوك فيها. وتسعى فلسفة الظواهر لدى هوسرل - على عكس الكثير من مقاربات المذهب الحيوي لعدد من القضايا نفسها - إلى إيجاد طرق جديدة لوصف الخبرة في فلسفة يمكن تبريرها عقلانيا، ثم يدرك الأهمية الثقافية الأوسع نطاقا لمنهجه في مقابل التطور الكارثي المتزايد للتاريخ الأوروبي في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.
وثمة صراع بالغ لدى هوسرل بين المقاربة المتعالية للأشكال الأساسية للخبرة والمقاربة الوصفية التي تصير على نحو متزايد تاريخية التوجه في عمله اللاحق. ويبدأ الصراع في الظهور عندما يقتنع هوسرل بأن محاولاته المبدئية لاستقاء المنطق والرياضيات من القوانين الحاكمة لعمل العقل تنطوي على «سكلجية» - أي الخلط بين ما هو راسخ في فرع علم تجريبي والشروط المنطقية لقابلية أي علم للفهم، بما في ذلك علم النفس ذاته. ويقربه رفض السكلجية من فريجه وأفكار الفلسفة التحليلية، لكن لا بد من وجود قوانين منطقية نهائية لكي تكون الاعتراضات على السكلجية لا لبس فيها، وهو أمر توحي حجج شلايرماخر وكواين بشأن القضايا التحليلية أنه يمكن التشكيك فيه. ويزداد تعقيد منهج هوسرل باعتماده على فكرة «الموقف الطبيعي»، الذي ينطوي على خبرات «بديهية»، أو «ممنوحة بالأصل»، والتي دونها ستكون الخلافات الهادفة مستحيلة؛ لأن هذه يمكن أن تبدو منتمية إلى عالم علم النفس.
لكي يتحقق استقلال الفلسفة عن العلم الطبيعي، كان يتعين على هوسرل أن يستبعد من الفلسفة كل ما يمكن شرحه بألفاظ محكومة بالقانون، ومن ثم عنوان عمله الذي ربما كان الأكثر تأثيرا «أفكار تجاه علم ظواهر خالص وفلسفة ظواهرية» (1913). ونقطة انطلاقه هي «القصدية»؛ أي «دوران» الفكر، الذي يحلله بطرق جديدة مؤثرة. وهو يرى أننا يجب أن «نعلق» (فيما أسماه «الإبوخيه»؛ أي التوقف عن الحكم وتعليقه) ما نعرفه عن موضوع البحث من أجل أن نصف البنى المحضة للوعي المتضمنة في ذلك الموضوع. وكما أوضح كثيرون - من جاك دريدا على الجانب الأوروبي إلى مايكل دوميت وأرنست توجندهات على الجانب التحليلي - تواجه هذه الفكرة مشكلة خطيرة باعتبارها وصفا للجوانب الداخلية المحضة من الوعي، فلكي تكون الفكرة معقولة، يتعين إيصالها بلغة بين ذاتية لا داخل الذات.
لكن تلك الانتقادات أخفت أحيانا جوانب هوسرل الأكثر رسوخا، التي أثرت في هايدجر وسارتر وغيرهما كثير، وليس فقط في الفلسفة. وأحد الجوانب الحيوية هو ما قدمه من بديل للتجريبية التي هيمنت على كثير من الفلسفة التحليلية حتى وقت قريب، والتي تمثل «معطيات الحس» بالنسبة لها «المعطى» الأساسي، ومنها يفترض أن تبنى المعرفة. وتؤكد أوصاف هوسرل للإدراك (لا يوجد نموذج واحد نهائي) حقيقة أن الخبرة يجب أن تفهم من حيث معانيها؛ فكل نوع من الوعي ينطوي على علاقة بين نمط أو أنماط من الانتباه، ومادة من العالم. والثاني لا يمكن اختزاله في الأول، لكن دون الأول لا توجد طريقة لتفسير كيف نحيا في عالم له دلالات مباشرة، بدلا من العالم كما ينظر إليه في العلوم الطبيعية؛ فالرؤية تنطوي في الواقع على فوتونات تسقط على الشبكية، الأمر الذي يمكن تفسيره بلغة القوانين العلمية، لكن لا يمكن تفسير خبرة رؤية شيء بتلك اللغة، وهي سابقة على التفسير العلمي وضرورية له. وتعني رؤية شيء أن ما يرى يقدم نفسه كشيء له دلالة؛ لأننا ندرك سبب حاجتنا إليه أو ما يذكرنا به وهكذا، ولا شيء من ذلك يمنح في شكل فوتونات وشبكيات.
تتضح أهمية استقراء هوسرل فيما يتعلق بحقيقة أن المعنى لا يمكن فصله عن الإدراك في عمله «أزمة العلوم الأوروبية وعلم الظواهر المتعالي» عام 1936؛ ففي هذا النص المتأثر بتلميذه هايدجر، ينتقل هوسرل مما كان مقاربة إبتسمولوجية في الأغلب لأزمة الأسس العلمية إلى مقاربة ترى الأزمة على أنها تتضمن أهداف الحياة الحديثة. وتنعكس الأزمة في العلوم في إخفاق الفلسفة في معالجة «أسئلة عن معنى أو لا معنى هذا الوجود البشري ككل»، ويؤدي هذا الإخفاق إلى تضييق نطاق التركيز في الفلسفة الذي يظهر في جوانب من نزوع الفلسفة التحليلية نحو العلمية.
وهنا تتضح الجذور المهمة للانقسامات المعاصرة بين المناهج التحليلية والأوروبية. ويوسع هوسرل نطاق فكرة «الموقف الطبيعي» ليشمل فكرة «عالم الحياة قبل وبعد العلمي»، وعالم الحياة «يضم في داخله كل الحياة الواقعية، بما في ذلك حياة الفكر العلمي»، ولم يكن من الممكن للموقف النظري الذي يميز العلم الحديث أن يتطور دون «ما هو طبيعي ... الذي يفترضه كل تفكير، وكل نشاط من أنشطة الحياة في جميع أغراضها ومنجزاتها». و«الممارسة النظرية» للعلم هي شكل من الممارسة «متأخر تاريخيا». وتكمن الأزمة في حقيقة أن هذه الممارسة أصبحت تهيمن على كل ما عداها؛ فالحداثة تنطوي على «ترييض الكون»، الأمر الذي يراه هوسرل قائما على تغيرات في مكانة الهندسة، فمن فرع معرفة عملي يستخدم لأغراض تقنية في عالم الحياة ينشأ فرع علم مهتم ب «عالم منغلق على ذاته من الموضوعيات المثالية». ويغير هذا العالم بدوره التكنولوجيا التي أحدثته عن طريق جعل الدقة الرياضية الطريقة المهيمنة للاستجابة للموضوعات في الطبيعة التي كان ينظر إليها سابقا من حيثية أكثر نوعية؛ وهكذا تصبح الطبيعة «رياضيات تطبق على نحو مخالف للعادة»، وتؤدي «حسبنة الهندسة» إلى «تفريغها من معناها». والمعنى المفرغ ليس هو المعنى كما يفهم في المشروع الدلالي للفلسفة التحليلية، بل هو الطريقة التي نسجت بها ممارسة الهندسة في عالم الحياة المعقد الذي يسكنه الناس. وهنا يمكن للمرء الوقوف على المضمون المهم لانقسام الفلسفة التحليلية/الأوروبية؛ فالأخيرة ترى المشروع الدلالي على أنه مجرد جزء صغير من علاقة الفلسفة السليمة بالثقافة الحديثة. ولا يزال هوسرل نفسه يحاول أن يعطي وصفا متعاليا لعالم الحياة (أي وصفا للبنى الضرورية له لكي يتشكل على النحو الذي هو عليه)، من النوع الذي قدمه فيما يتعلق بالموقف الطبيعي، لكنه يزداد إدراكا لحقيقة أن الوصف النظري الخالص الذي يبغيه يهدده الحدوث التاريخي، وأن هايدجر هو الذي يكشف التبعات الكاملة لمحاولة الحفاظ على الفلسفة بالنسبة إلى العلوم الجزئية، بينما يتصدى لآثار التاريخ الحديث على توصيفنا لأنفسنا وللعالم.
الفصل الثامن
Page inconnue