420

L'Aube éclatante sur le Sahih al-Jami'

الفجر الساطع على الصحيح الجامع

...قال رحمه الله: (إن يوسف - عليه السلام - ممن شمله قوله تعالى: " واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم" - الأنعام 87-، وقوله: " وكل من الصالحين" - الأنعام 85- ، وقوله: "وكلا فضلنا على العالمين"- الأنعام 86-، وقوله:" أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" - الأنعام 90-، وصدرت قصته مع زليخا بقوله تعالى: " ولما بلغ أشده ءاتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين" - يوسف 22-، وقيل له في أثنائها:" إنه من عبادنا المخلصين " يوسف 24- ، وقال فيه - صلى الله عليه وسلم -: " أكرم الناس يوسف"، وقال فيه: " الكريم بن الكريم بن الكريم"، فكيف يسع مسلما مسامحة من زحزحه عن هذه الدرجات العلا، ورام أن يسلب عنه باهر هذه الحلا، ومحصل قصته أن الله تعالى ذكر مراودة زليخا له عن نفسه، وغلقها الأبواب عليه، وقولها له هيت لك، المتضمن خلع عذارها وفضيحتها نفسها لديه، وتصريحها بما أرادت منه، وأفردها سبحانه بجميع ما ذكر، ولم يذكر ليوسف في ذلك قولا ولا فعلا يثبت عليه إليها ميلا، بل ذكر جوابه لها مستجيرا بربه، مستحضرا لجلالة وإسباغ نعمه عليه، ومحذرا من الظلم وسوء عاقبة أمره بقوله: "معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" -يوسف 23-، وقوله تعالى: " ولقد همت به وهم بها"... إلخ - يوسف 24-، هذا المحل هو الذي زلت فيه الأقدام، وكثر فيه الكلام، ونحن إذا تأملنا هذه الآية وجدنا فيها قبلها ذكر المراودة، وغلق الأبواب، وتصريح المرأة بما أرادت، والنص عليه، والدعاء له واستعجاله، وجواب يوسف على ذلك الجواب الجازم الذي ليس فيه مواعدة ولا تطمع، وبيان ما عنده من رعي حقوق الله وربوبيته، وأنه لا يفلح من ظلم، فكيف نحمل ما جاء بعد ذلك من لفظ الهم المستغلق إبهاما، المتعلق بالنفس، على أنه إخبار ثان عما تقدم بيانه، والنص عليه تصريحا لا تلويحا، من دعائه لها وجوابه لها، ونحمل كلام الله على هذا المحمل، مع أن له محملا سواه يفيد معنى زائدا، ويجري مع ما قبله، لا ينافره ولا يأباه، ولو وقع هذا فيما يدور بيننا من الكلام لكان للسامع أن يقول قد تقدم تحديثك بهذا وبسطه، فلم كررته في لفظ، إنما ينبئ عن ذكره في النفس أنك ما أفدت شيئا، فمثل هذا لا يصلح أن يحمل عليه كلام الله، سيما وقد أكدت جملة: " ولقد همت به "، بلام الابتداء وحرف التحقيق، فتعين صرف الهم في حقها إلى ما يفيد معنى لم يتقدم ذكره، وذلك أنها لما بالغت في فضيحة نفسها، ونزلت ليوسف عن رتبتها، مع عزتها في نفسها، امتلأت عليه حنقا وغيظا، فهمت به أن تعاقبه/ انتصارا لنفسها، فالهم هنا كما في قوله تعالى:" وهمت كل أمة برسولهم لياخذوه " - غافر 5-، وهم هو بدفعها عن نفسه، ومقابلة ما يقع منها بمشاكله ومثله، " لولا أن رءا برهان ربه"، والبرهان كما قاله أبو الفضل بن الخطيب(1) في كتاب الأربعين له، هو أنه لما هم بما ذكر، أراه الله برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به، أهلكه أهلها، وأنها تدعي عليه أنه المراود لها، وأنه ضربها لأجل امتناعها، فألهمه الله الفرار منها، ويؤيده ما ظهر في الوجود من قد القميص من دبر حين فر منها، ولو لم يفر لكان قده من قبل، وبهذا يستقيم إيراد القصة مكملة مرتبة على حسب وقوعها في الوجود بكلام وجيز بليغ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبه يزول اللبس، وترتفع الشبهة، وتنفصم عروة الإشكال، وما نسبه إليه بعض المفسرين من أنها استلقت له وقعد بين رجليها وحل سراويله، فشيء لا أصل له، ولا معول عليه، وكذا ما ذكروه في البرهان من الأمور التي لا تحقيق لهم بها، فكل ذلك خبر باطل لم يرد عن الشارع - صلى الله عليه وسلم -، ولا جاء في القرآن ما يؤيده، وإنما الذي فيه ما يؤيد إثبات براءته من جميع ما قيل فيه، إذ ليس في قصته من أولها إلى آخره ما يدل على الإنكار عليه، ولا على استغفاره هو مما نسب إليه وتوبته منه، كما جاء ذلك في بعض قصص الأنبياء كآدم ونوح وموسى وداود عليهم السلام، بل فيها خلاف ذلك وعكسه، وهو وصل قوله تعالى: " إنه من عبادنا المخلصين" - يوسف 24-، بما عدوه نصا على الخطأ ودليلا عليه بإضافته جل وتعالى إلى نفسه بقوله: " إنه من عبادنا "، إضافة التشريف، ووصفه بالإخلاص الذي هو أجل ما يمدح به العباد، ومثل هذا في نسق واحد مع ذكر قبيح الخطأ في بليغ الكلام غير مألوف ولا معروف، " أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " - النساء 82-)، ه ما تعلق الغرض به من التقييد المذكور، وانظر بقيته إن شئت ، وهو كلام نفيس جدا، ذكر مقيده أنه إنما استنبطه من كلام الله، وليس فيه نقل عن أحد، إلا ما نقله عن ابن الخطيب في بيان البرهان.

Page 129