فتوح البلدان للبلاذري. (4)
الأخبار الطوال للدينوري.
عدا ما أشرنا إليه في ثنايا الفصل من الكتب.
الجزء
الفرس وأثرهم
الفصل الثامن
دين الفرس
ضاع استقلال فارس بالفتح الإسلامي كما أسلفنا، وأصبحت ولاية إسلامية، ووقع كثير من الفرس في أيدي العرب أسرى، واسترق بعضهم ووزع على العرب، ودخل كثير من الفرس في الإسلام، وتعلم كثير منهم العربية، حتى كان منهم في الجيل الثاني من يتكلم العربية كأحد أبنائها؛ ولكنهم برغم هذا كله لم يصبحوا في جملتهم كالعرب في عقيدتهم، ولا كالعرب في مطامعهم وطموحهم ونزعاتهم، ولا كالعرب في عقليتهم، بل اعتنقوا الإسلام فصبغوه بصبغة الفارسية، ولم يتجردوا من كل عقائد الدين القديم وتقاليده، ففهموا الإسلام بالقدر الذي يسمح به دين قديم اعتنقه قومه أجيالا، ونشأ فيه ناشئهم وشب عليه؛ كذلك تعلم الكثير منهم العربية، ولكن لم يترك خياله الفارسي، ولم ينس ما كان لقومه من شعر ومثل وحكمة، كان من أثر ذلك طبيعيا أن تدخل تعاليم في الإسلام جديدة، ونزعات دينية جديدة، ظهر أثرها فيما بعد، وأظهرها في الإسلام التشيع والتصوف، وكان من أثر ذلك أيضا أن يغمر الأدب العربي بالحكم الفارسية، والقصص الفارسية، والخيال الفارسي.
إذا كان للفرس دين ذو أثر، وأدب ذو أثر؛ فلندرس باختصار دينهم وأدبهم، لنستطيع بعد أن نفهم أثر ذلك؛ ولسنا ندرس دينهم منذ نشأتهم، ولا نعرض لأصل أدبهم وتدرجه في الرقي، فذلك ما لا يهمنا كثيرا، وإنما نتعرض لدينهم وطرف من أدبهم في الدولة الساسانية التي حكمت الفرس قبل الإسلام، واستمرت في الحكم من سنة 226م إلى سنة 651م حين تسلمها العرب من أيديهم وحكموها بولاتهم، فهذه الدولة الساسانية هي التي كان لها الأثر المباشر في المسلمين من الناحية الدينية والأدبية جميعا.
دين الفرس: اشتهر الفرس - والجنس الآري عامة - بأنهم ميالون إلى عبادة المظاهر الطبيعية؛ فالسماء الصافية، والضوء، والنار، والهواء، والماء ينزل من السماء؛ جذبت أنظارهم وجعلتهم يعبدونها على أنها كائنات إلهية، حتى سموا الشمس «عين الله» والضوء «ابن الله»، كما أن الظلمة والجدب ونحوهما كائنات إلهية شريرة ملعونة.
Page inconnue