Le Supérieur en Principes de la Jurisprudence

الفائق في أصول الفقه

Enquêteur

محمود نصار

Maison d'édition

دار الكتب العلمية

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م

Lieu d'édition

بيروت - لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم
رب تممه بمنك
اللهم بحمدك أستفتح، وبدعائك أستنجح، وبجودك أستمنح وبشكرك أستريح، وبرحمتك أستروح، وبنصحك أستنصح، وبهدايتك أستوضح، وبنورك أستصبح.
فلولا الهداية لما كانت الدراية، ولولا الزيادة في العناية، لما كانت الكفاية في النهاية، ولولا سطوع الأنوار على سطح الأفكار لما أطلع على الأسرار، وأشرف على الأغوار.
اللَّهُمَّ فلك الحمد، على ما اختصصت به من صفات الجلال، ونعوت الكمال، حمدًا تتضاءل بجنبه بلاغة البلغاء، وتقاصر عن إدراكه عقول العقلاء، ولك الشكر على ما أوليت من الإنعام الجميل، وأسديت من الإحسان الجزيل، شكرًا يليق بالعبيد، ويستدعي المزيد، ويرضي المجيد، منجز الوعد والوعيد، الفعال لما يريد، وهو أقرب من حبل الوريد.
والصلاة والسلام على الرسل الكرام، سادة الأنام، خصوصًا على المبعوث بالدين المتين، والمرسل بالشرع المبين، الهادي إلى الصراط المستقيم الداعي إلى النعيم المقيم، محمد خاتم الأنبياء، وسيد الأصفياء وعلى آله وصحبته، أئمة الأتقياء، وقادة الأولياء.
أما بعد:
فإنه لما كمل كتابنا المسمى: "نهاية الوصول في دراية الوصول" في أصول الفقه، مطولا، مبسوط العبارة مسحوب الاستعارة مشروح البيان، موضح التبيان، يصعب تحصيله على المحصلين، وتعلمه على المتعلمين، دون بحثه وتدبره على المتبحرين - رأيت أن أؤلفه مختصرًا فيه، يعم به النفع، وينتفع به الفذ والجمع، سهلًا حفظه، قريبا تناوله حاويًا لمسائله، واعيا لمباحثه، محيطا بأدلته شاملًا لأسئلته وأجوبته، إلا ما قل، مع زيادات لطيفة، وأنظار دقيقة، يظهر المعنى من لفظه، والفحوى من ظاهره، من غير تكلف ولا تعسف، لئلا يصعب على الفكر حله، والخاطر ذكره، وسميته: «الفائق» ليطابق الاسم المسمى، والكنية المكنى، لأنه يفوق المختصرات المصنفة في هذا الفن لغزارة الفوائد، وكثرة الفرائد، مع الإيجاز المتوسط بين طرفي التفريط والإفراط.
وقد قيل: "خَيْرُ الأمورِ الأوساط".

1 / 33

وأسأل الله العظيم أن يجعل فيه النفع العميم، بالنبي الكريم، وكما كمل على أحسن النظام إلى آخره.
وهذا أوان الشروع في المقصود ...
الكلام في المقدمات
الأولى: الفقه: الفهم. قيل هو أي الفهم جودة الذهن وفيه نظر.
لقبول ما يرد عليه.
لا فهم غرض المتكلم، إذ يوصف به حيث لا كلام، ولأنه أعم.
واصطلاحًا: العلم أو الظن بجملة من الأحكام الشرعية العملية، إذا حصل عن استدلال على أعيانها.

1 / 34

لا العلم بالأحكام، إذ لا يشترط فيه قطع، ولا عموم.
خرج بالأخير علم المقلد، وما علم منها ضرورة، إذ الضروري لا يكون استدلال على أعيانها.
وإنما قدم تعريفه لأنه مضاف إليه.
والأصل: ما منه الشيء، لا المحتاج إليه، وإن زيد في الوجود، إذ لم يطلق على الشروط وعدم المانع.
وعرفًا: الأدلة.
والإضافة للاختصاص، دفعًا للاشتراك ولمجاز.
وقيل: في أسماء الأعيان للملك، وقيل: فيهما لهما.
أصول الفقه: جمع أدلة الفقه، من حيث إنها أدلة على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال، وحال المستدل بها، ونعني بالأدلة ما يفيد القطع والظن.
وموضوعه: أحوال الأدلة الموصلة إلى الأحكام، من حيث إنها موصلة.
وعلته الغائية: معرفة الأحكام التي بها انتظام المصالح الدينية والدنيوية.

1 / 35

الدليل: فاعل ما به الدلالة، وذاكره، وما به الدلالة، وهو الأكثر في الاستعمال.
قيل: الأول حقيقة، وغيره مجاز، كالمخصص.
وعرفًا: ما يكون النظر الصحيح فيه موصلًا إلى العلم أو الظن بالمطلوب.
وقيل: هو الأول، والثاني: الأمارة، فيكون بينهما مباينة، وعلى الأوّل عموم وخصوص.
النظر: الانتظار، وتقليب الحدقة نحو المرئي، والرؤية والرحمة والتأمل.
وعرفًا: ترتيب تصورات أو تصديقات، في الذهن ليتوصل بها إلى غيرها فيه.
فإن كنت مطابقة لتعلقاتها، مع صحة الترتيب، فنظر صحيح وإلا ففاسد.
ومقدماته: إن كانت قطعية بأسرها فلازمه قطعي، وإلا فظني.
وعرف منه أن شرطه: العقل، وانتفاء منافيه كالغفلة، وأن لا يكون جاهلًا بالمطلوب.

1 / 36

ولا عالمًا به من كل الوجوه، ولا من وجه يطلبه.
الثانية: إدراك أمر من غير حكم عليه وبه، تصور، ومع أحدهما تصديق.
فإن كان جازمًا: غير مطابق فجهل، أو تقليد، أن يطابق، ولم يكن لموجب أوله فعلم، وهو:
إما عقلي: فإن كفى تصور ظرفية لحصوله، فعلم بديهي، وإلا فنظري.
أو حسي: فعلم به المحسات.
أو مركب: فالمتواترات إن كان الحس سمعًا، وإلا فبالمجربات والحدسيات.
وفرق بينهما: بأن الحدس: سرعة الانتقال، وأنه إنما يستعمل فيما ليس لأفعالنا مدخل فيه.
وإن لم يكن جازمًا: وتساوى طرفاه سمِّي شكًّا، وإلا.
فالراجح: ظنًّا صادقًا أو كاذبًا، والمرجوح: وهما.

1 / 37

وأورد: بأن الشك تردد لا حكم، فلم يجر إيراده في قسم الحكم.
وأجيب: بمنع انحصاره فيه، إذ تردد العقل بين حكمين لدليلين متساويين شك - أيضًا - لصحة وصف من شأنه ذلك به.
نعم: انحصاره فيه - كما أشعر به كلام الإمام خطأ.
قيل: العلم لا يعرف.
لأن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم العلم بغيره لزم الدور.
وأجيب: بأن توقف غير العلم عليه، من جهة أنه إدراك له، وتوقف العلم على غيره، من جهة أنه صفة مميزة له، فلا دور.
و-أيضًا-: أن توقف تصور غير العلم على حصوله، لا على تصوره، وتوقف تصور العلم على تصور غيره، فلا دور.
وقيل: إنه ضروري؛ إذ كل أحد يعلم ضرورة أنه عالم بنفسه وجوعه، وتصور الضروري ضروري.

1 / 38

وأجيب: بمنعه، لأن التصديق الضروري هو ما تصور طرفيه كاف في الجزم به، ولو كان كسببين.
وقيل: يعرف بالتقسيم والمثال فقط، وهو باطل، إذ ليس هو غير التعريف بالحد، والرسم وإن عنى به أنه يتعذر أو يتعسر ذلك، لعسر الاطلاع على ذاتيه وخارجيه، فلذلك غير مختص به وقيل: يمكن تعريفه بكل كغيره.
وأصح ما قيل: صفة توجب تمييزًا، لا يحتمل النقيض، فيعم الكلي والجزئي كإدراك الحواس، وعليه الأكثر، ومن خصه بالكلي فيزيد: في الأمور الكلية.
واعترض: بالعلوم العادية، فإنها تحتمل النقيض.
وأجيب: بمنعه عادة، واحتمالها عقلًا لا يضر، إذ جهة الاحتمال غير جهة القطع.
تنبيه:
الظن: هو الاعتقاد الراجح من اعتقادي الطرفين وكذا رجحان الاعتقاد، لا الاعتقاد الراجح، واعتقاد الرجحان، فقد لا يكون معهما اعتقاد آخر، وحينئذ: إما علم، أو جهل، أو تقليد.
وإن اعتبر القدر المشترك ففيه التقسيم، سوى الشك.
الثالثة: الحكم: جاء بمعنى المنع والصرف، ومنه الحكيم، والحَكَمة للحديدة التي

1 / 39

في اللجام.
وبمعنى: الأحكام، ومنه الحكيم في صفاته تعالى، وهو: فعيل بمعنى مفعل.
الحكم الشرعي: يحتمل أن يكون مأخوذًا من الأول؛ لأنه شرع زاجرًا قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: آية ٤٥] ..
ومن الثاني؛ لأنه يدل على أحكام شارعة، حيث خص كل فعل بما ينبغي أن يخص به.
واختلف في العرف الشرعي:
١ - قيل: إنه خطاب الشارع، المتعلق بأفعال المكلفين، وهو غير مانع، لدخول مثل قوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: آية ٩٦].
٢ - وقيل: "إنه خطاب الشارع، المفيد فائدة شرعية".
أي: لا تستفاد إلا منه، وهو مثله، إذ يشتمل الصفات السمعية.
٣ - وقيل: إن الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع.
٤ - قيل: لا حاجة إلى الوضع، لحصول فائدته مما سبقه، وهو تكلف.
٥ - وقيل: لأن ما يفيده ليس بحكم شرعي، وهو تعسف.
الخطاب: "الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئًا مع قصد المتكلم إفهامه به"، وأريد بأو: أن ما يقع على أحد الوجوه المذكورة كان حكما، وما لا فلا.

1 / 40

ومعنى تعلق الضمان بفعل الصبي، وكون الفعل حلالًا، وقوله: حل بعد أن لم يحل، وكون الحكم معللا بحادث تكليف الولي بآدائه من مال الصبي.
وكونه مقولا فيه رفع الحرج عن فاعله، وتعلق الإحلال به، كونه معرفًا به، لا يقال: التعلق نسبي، فيتوقف على وجود المنتسبين، فيكون الحكم حادثًا، لأنا نقول بالصحة يسلم ذلك، لكن لا في الخارج، فلا يلزم حدوثه.
وقالت الحنفية: القائلون بقدم الحكم: "إنه عبارة عن تكوين الله الفعل على وصف حكمي نحو: كونه حسنًا أو قبيحًا".
وهو دور مستدرك.
والأولى: أن يقال - بناء على أصلهم -: إنه عبارة عن تكوين الله الفعل على وجه الاقتضاء، أو التخيير أو الوضع.
فالحكم: هو التكوين: المخصوص، وهو قديم عندهم، وكون الفعل على ذلك الوصف محكوما، لا حكمًا.
اللغات
فصل
الكلام: مشتق من الكلم.

1 / 41

والحروف المفهمة، إنما سميت به، لأنها تؤثر في القلب بالإفهام، أو لأن منه ما يجرح القلب.
ولهذا قيل: كلم الكلام أشد من كلم السهام.
فسمي الجنس باسم نوعه، كعلم الكلام، وهو حقيقة - عندنا - في المعنى القائم بالنفس، وفي العبارة الدالة عليه.
وقيل: في الأول.
وقيل: في الثاني.
وحدّه بالمعنى الثاني هو: المنتظم من الحروف المسموعة، المتواضع عليها، الصادرة عن قادر واحد.
والنظام: حقيقة في الجسم، مجاز هنا للتشبيه.
ونعني بالحروف: ما زاد على الواحد، ظاهرًا كان، أو في الأصل.
والحد: يدخل بعض الكلمة في الكلام، لا كلها، فلا يشكل بباء الإلصاق، ونحوه، والنحاة تخالف فيه.
فالأولى: أن يقال؛ الكلمة: لفظ دال بالاصطلاح على معنى مفرد، وفيه احتراز عن الكتابة، والإشارة، والحركات الإعرابية، والمهمل وعما دل عليه عقلًا، وطبعًا وعرفًا، وعن المركب.
والكلام هو: المركب الذي يحسن السكوت عليه، وفيه احتراز عن الكلمة، ونحو:

1 / 42