Les Perles en abrégeant les campagnes et les biographies
الدرر في اختصار المغازي والسير
Enquêteur
الدكتور شوقي ضيف
Maison d'édition
دار المعارف
Édition
الثانية
Année de publication
١٤٠٣ هـ
Lieu d'édition
القاهرة
مُقَدمَات
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
مُقَدّمَة الطبعة الثَّانِيَة
حِين اطَّلَعت فِي دَار الْكتب المصرية على مخطوطة: "كتاب الدُّرَر فِي اخْتِصَار الْمَغَازِي وَالسير "لِابْنِ عبد الْبر" وَوجدت الزبيدِيّ اللّغَوِيّ تَملكهَا ووقفها مَعَ مَا وَقفه من الْكتب لانتفاع طلاب الْعلم بهَا. وَلَيْسَ ذَلِك فَحسب، فقد وجدت عَلَيْهَا تعليقات للعلامة المؤرخ شمس الدَّين السخاوي، حِينَئِذٍ عرفت أَنَّهَا مخطوطة نفيسة. وحاولت أَن أجد من الْكتاب مخطوطات أُخْرَى للمقابلة، وَلم يكْتب لي الظفر بِشَيْء من ذَلِك فاكتفيت بِأَن المخطوطة موثقة ومضيت أحققها وأعدها للنشر، مستعينا بِمَا وجدته من الْأُصُول الَّتِي ذكرهَا ابْن عبد الْبر فِي الْكتاب، وَأَيْضًا من الْفُرُوع الَّتِي استمدت مِنْهُ ونقلت عَنهُ، وَقد بسطت القَوْل فِي ذَلِك بمقدمة الطبعة الأولى.
ونشرت الْكتاب -بتحقيقي- لجنة إحْيَاء التراث الإسلامي بِالْمَجْلِسِ الْأَعْلَى للشئون الإسلامية فِي سنة ١٣٨٦ لِلْهِجْرَةِ، وَلم تكد تدخل سنة ١٣٩٠ حَتَّى كَانَت قد نفدت تِلْكَ النشرة. وَلم يلبث معهد المخطوطات بجامعة الدول الْعَرَبيَّة أَن عثر على مخطوطة مِنْهُ فِي الخزانة الْعَامَّة بالرباط، وبادر إِلَى تصويرها. وصورها لي مشكورا، ووجدتها مخطوطة مُتَأَخِّرَة رُبمَا رجعت إِلَى الْقرن الْحَادِي عشر الهجري، وَهِي بِخَط مغربي وَغير موثقة، وَبهَا بَيَاض فِي غير ورقة وَهُوَ وَاضح فِي ظهر الورقة الأولى المصورة فِي هَذِه الطبعة الثَّانِيَة، وَبهَا مَا لَا يكَاد يُحْصى من التصحيفات وسواقط الْكَلِمَات، وَلم أر إِثْبَات ذَلِك فِي الهوامش، إِذْ لَيْسَ فِي إثْبَاته فَائِدَة. ويتضح من مقدمتها أَنَّهَا ترجع إِلَى أم أُخْرَى غير أم المخطوطة الموثقة الَّتِي نشرتها فِي الطبعة الأولى، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تخْتَلف عَنْهَا بِزِيَادَات قَليلَة رَأَيْت إِثْبَاتهَا، كَمَا أثبت مِنْهَا بعض تصحيحات قَليلَة. ورمزت إِلَى تِلْكَ النُّسْخَة فِي الهوامش بالحرف "ر".
وَكنت قد لاحظت فِي المخطوطة الموثقة الَّتِي نشرتها أَنه تَتَرَدَّد فِي بعض صفحاتها كلمة "قلت" ويليها تعقيبات على كَلَام ابْن عبد الْبر، وَقد تُوضَع مَكَان كلمة "قلت" كلمة
1 / 3
"فَائِدَة" أَو كلمة "هَا هُنَا لَطِيفَة". وَذكر التعقيب فِي أمكنة قَليلَة بِدُونِ إِشَارَة تسبقه تدل على أَوله، غير أَنه يعلن دَائِما عَن نَفسه بِمَا يَنْتَهِي بِهِ من العلامات الدَّالَّة على انْتِهَاء التعقيب مثل: "عَاد الْكَلَام" أَو "يرجع الْكَلَام" أَو "وَالله أعلم" أَو "وَالْحَمْد لله" أَو "وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق". وَذكرت فِي مُقَدّمَة الطبعة الأولى أَن هَذِه التعقيبات إِمَّا أَنَّهَا كَانَت مَكْتُوبَة على هَامِش الأَصْل الَّذِي نقلت عَنهُ المخطوطة وأدمجها فِيهَا النَّاسِخ لَهَا، وَإِمَّا أَن يكون النَّاسِخ هُوَ الْعَالم الديني الَّذِي أضَاف تِلْكَ التعقيبات.
وَكَثِيرًا: مَا خشيت أَن يكون تقديري لبدء هَذِه التعقيبات ونهايتها غير دَقِيق، إِذْ كنت رَأَيْت فصلها عَن الْكتاب ووضعها فِي هوامشه، حَتَّى أُعِيد إِلَيْهِ نسقه الَّذِي صاغه بِهِ ابْن عبد الْبر. وَحين عرض صنيعي على النُّسْخَة الجديدة وجدتني مصيبا فِيمَا عدا مَوَاضِع قَليلَة ظَنَنْت فِيهَا أَحْيَانًا أَن التعقيب من متن الْكتاب، أَو أَنه لَيْسَ من مَتنه. وبالمعارضة على المخطوطة الجديدة رد الْكتاب فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع إِلَى نسقه، وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت، وَإِلَيْهِ أنيب.
شوقي ضيف
الْقَاهِرَة فِي أول شعْبَان سنة ١٤٠٣هـ.
1 / 4
مُقَدّمَة الطبعة الأولى
الْمُؤلف
مؤلف هَذِه السِّيرَة النَّبَوِيَّة هُوَ أَبُو عمر يُوسُف١ بْن عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْبر بن عَاصِم النمري، ولد بقرطبة فِي يَوْم الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من ربيع الأول سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة، وَنَشَأ فِي بَيت علم، إِذْ كَانَ أَبوهُ من فُقَهَاء قرطبة ومحدثيها، وَقد وَجهه مُنْذُ نعومة أَظْفَاره إِلَى الدراسات الدِّينِيَّة، وَتُوفِّي وَابْنه فِي الثَّالِثَة عشرَة من عمره، فدأب على الدَّرْس من بعده وَالسَّمَاع من جلة الْعلمَاء أَمْثَال أبي عمر المكوى، وَابْن الفرضي، وَعبد الْوَارِث بن سُفْيَان، وَخلف بن قَاسم، وَأبي مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن عبد الْمُؤمن، وَسَعِيد بن نصر، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن التاهرتي، وَأحمد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمد بن الجسور، وَأبي عمر الْبَاجِيّ، وَغَيرهم من أَعْلَام الْفِقْه والْحَدِيث والتاريخ والمغازي وَالْأَخْبَار والأنساب.
وَمَا نكاد نتقدم فِي الْقرن الْخَامِس الهجري حَتَّى يلمع اسْمه بَين نابهي الْعلمَاء بقرطبة، وسرعان مَا تفْسد الْحَيَاة فِيهَا وتشتعل الْفِتَن، وَيَأْخُذ صرح الدولة الأموية بهَا فِي الانقضاض، وَتقوم على أنقاضه إمارات لملوك الطوائف المعروفين فِي الأندلس، إِذْ تستقل كل بَلْدَة كَبِيرَة بإمارة وأمير. وطالت الْفِتَن بقرطبة، فهجرها كثير من علمائها، وشجعهم على الْهِجْرَة مِنْهَا الْأُمَرَاء الجدد، إِذْ مضوا يتنافسون فِي جمع الْعلمَاء والأدباء وَالشعرَاء بإماراتهم أَو بلدانهم، وارتحل فِيمَن ارتحلوا عَن قرطبة أَبُو عمر بن عبد الْبر ميمما بطليوس
١ انْظُر فِي ابْن عبد الْبر جذوة المقتبس للحميدي "طبع الْقَاهِرَة" ص ٣٤٤، وَابْن بشكوال فِي الصِّلَة "طبعة الْقَاهِرَة" ص ٦١٦، والضبي فِي بغية الملتمس ص ٤٧٤، وَالْفَتْح بن خاقَان فِي المطمح ص ٦١، وَالْمغْرب لِابْنِ سعيد "طبع دَار المعارف" "٢/ ٤٠٧"، ووفيات الْأَعْيَان لِابْنِ خلكان "٧/ ٦٦ وَابْن فَرِحُونَ فِي الديباج الْمَذْهَب "الطبعة الأولى بِالْقَاهِرَةِ" ص ٣٥٧، والعماد فِي شذرات الذَّهَب "٣/ ٣٤٤ وَتَذْكِرَة الْحفاظ الذَّهَبِيّ "طبع حيدر أباد" ٣/ ٣٠٦، ومرآة الْجنان ٣/ ٨٩، والعبر فِي خبر من غبر "طبعة الكويت" ٣/ ٢٥٥.
1 / 5
فِي غربي الأندلس، حَيْثُ أمراؤها بَنو الْأَفْطَس، وَمَا كَاد يسْتَقرّ فِي حاضرتهم حَتَّى أكرموه غَايَة الْإِكْرَام، وولوه الْقَضَاء فِي بلدتي أشبونة وشنترين من بلدان إماراتهم. ويتحول إِلَى شَرْقي الأندلس وَينزل بلنسية ودانية، وَرُبمَا كَانَ مِمَّا حببه فِي الْأَخِيرَة مُجَاهِد الَّذِي كَانَ يمسك بمقاليد الحكم فِيهَا، فقد كَانَ مشاركا فِي عُلُوم الْقُرْآن والْحَدِيث كَمَا "كَانَ محبا للْعُلَمَاء محسنا لَهُم حَتَّى عرف بذلك بَلَده وَقصد من كل مَكَان". وَكَانَ لِابْنِ عبد الْبر ابْن أديب وَكَاتب بليغ، فوظفه مُجَاهِد فِي دواوينه، حَتَّى إِذا توفّي اتَّخذهُ ابْنه على "٤٣٦- ٤٦٨هـ" رَئِيسا لدواوينه وَكتابه. وَحدث أَن صدر عَنهُ برسالة إِلَى المعتضد صَاحب إشبيلية "٤٣٦- ٤٦١هـ" وبدلا من أَن يتلقاه لِقَاء حسنا حَبسه فِي سجنه، مِمَّا جعل أَبَاهُ يَقْصِدهُ مستعطفا بِمثل قَوْله:
قصدت إِلَيْك من شَرق لغرب ... لتبصر مقلتي مَا حل سَمْعِي
وتعطفك المكارم نَحْو أصل ... دعَاكُمْ رَاغِبًا فِي خير فرع
فَإِن جدتم بِهِ من بعد عَفْو ... فَلَيْسَ الْفضل عنْدكُمْ ببدع
وسرعان مَا رد المعتضد إِلَى ابْنه حُرِّيَّته وَعَاد إِلَى دانية. ولبى الابْن نِدَاء ربه فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة، وَلَعَلَّ ذَلِك هُوَ الَّذِي جعل أَبَاهُ يتَحَوَّل عَن دانية إِلَى شاطبة، وَبهَا يسلم روحه إِلَى بارئه فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة عَن خَمْسَة وَتِسْعين عَاما.
وَهَذِه السن الْعَالِيَة جعلت ابْن عبد الْبر كَمَا شهد موت ابْنه يشْهد وَيسمع عَن موت كثيرين من تلاميذه مثل ابْن حزم، وَكَانَ يصغره بِنَحْوِ عشْرين عَاما، وَتُوفِّي قبله بِنَحْوِ سَبْعَة أَعْوَام. وَكَانَ يجنح فِي باكورة حَيَاته إِلَى مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة أَتبَاع دَاوُد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ الَّذِي كَانَ يُنكر الرَّأْي فِي الْفِقْه والتشريع وَيَبْنِي أَحْكَامه على ظَاهر الْآيَات القرآنية وَالسّنة النَّبَوِيَّة. على أَنه لم يلبث أَن انتظم فِيمَا انتظم فِيهِ جُمْهُور أساتذته وَأهل موطنه من اعتناق مَذْهَب مَالك بن أنس. وَكَانَ فِيهِ اعْتِدَال جعله يمِيل إِلَى بعض آراء الشَّافِعِي الْفِقْهِيَّة. وَكَأَنَّهُ لم يكن يعرف التعصب والتحيز إِنَّمَا يعرف الْحق ويطلبه، فَإِذا استبان لَهُ انْقَادَ رَاضِيا.
وَيجمع من ترجموا لَهُ على الإشادة بِعِلْمِهِ وَرِوَايَته الغزيرة للْحَدِيث النَّبَوِيّ. وَفِيه يَقُول الْحميدِي تِلْمِيذه: "فَقِيه حَافظ مكثر عَالم بالقراءات وبالخلاف فِي الْفِقْه وبعلوم
1 / 6
الحَدِيث وَالرِّجَال، قديم السماع كثير الشُّيُوخ" وَيَقُول أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ: "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد الْبر فِي الحَدِيث" وَيَقُول ابْن بشكوال: "إِمَام عصره وَوَاحِد دهره. دأب فِي طلب الْعلم وافتن فِيهِ وبرع براعة فاق بهَا من تقدمه من رجال الأندلس" وَيَقُول ابْن سعيد نقلا عَن الحجاري: "إِمَام الأندلس فِي علم الشَّرِيعَة وَرِوَايَة الحَدِيث، لَا أستثني من أحد، وحافظها الَّذِي حَاز خصل السَّبق وَاسْتولى على غَايَة الأمد، وَانْظُر إِلَى آثاره، تعنك عَن أخباره".
وَقد سمع مِنْهُ عَالم عَظِيم حملُوا عَنهُ مصنفاته الَّتِي طارت شهرتها فِي عصره وَبعد عصره، مِنْهَا فِي الْفِقْه والْحَدِيث كتاب "التَّمْهِيد لما فِي الْمُوَطَّأ من الْمعَانِي والأسانيد" وَفِيه يَقُول ابْن حزم: "لَا أعلم فِي الْكَلَام على فقه الحَدِيث مثله فَكيف أحسن مِنْهُ؟! ". وَفِي دَار الْكتب المصرية قِطْعَة من هَذَا الْكتاب، وَقد اخْتَصَرَهُ ابْن عبد الْبر فِي كتاب سَمَّاهُ "التَّقَصِّي لما فِي الْمُوَطَّأ من حَدِيث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ" وَمن كتبه فِي الْفِقْه والْحَدِيث أَيْضا: "الاستذكار لمذاهب فُقَهَاء الْأَمْصَار مِمَّا رسمه الإِمَام مَالك فِي الْمُوَطَّأ من مَعَاني الرَّأْي والْآثَار" نشر مِنْهُ بِالْقَاهِرَةِ جزآن بتحقيق الْأُسْتَاذ عَليّ النجدي. وَقد عَاد فَاخْتَصَرَهُ فِي كتاب دَعَاهُ: "الْكَافِي فِي الْفِقْه على مَذْهَب أهل الْمَدِينَة". وَمن كتبه فِي الْفِقْه: "اخْتِلَاف أَصْحَاب مَالك بن أنس وَاخْتِلَاف رواياتهم عَنهُ". وَمن كتبه فِي الْقرَاءَات وعلوم الْقُرْآن: "الْبَيَان عَن تِلَاوَة الْقُرْآن" و"التجويد والمدخل إِلَى الْعلم بالتحديد" و"الِاكْتِفَاء فِي قِرَاءَة نَافِع وَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء بتوجيه مَا اخْتلفَا فِيهِ". وَمن كتبه "جَامع بَيَان الْعلم وفضله وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَته وَحمله" وَقد اخْتَصَرَهُ أَحْمد عمر المحمصاني الْبَيْرُوتِي وَنشر فِي مُجَلد لطيف. وَألف فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة كِتَابه الَّذِي ننشره: "الدُّرَر فِي اخْتِصَار الْمَغَازِي وَالسير" وعني بسير مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وصنف فِيهَا "الانتقاء فِي فَضَائِل الثَّلَاثَة الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء" وَهُوَ مطبوع. وَألف فِي الصَّحَابَة كِتَابه الضخم "الِاسْتِيعَاب" استقصى فِيهِ أَسمَاء الْمَذْكُورين مِنْهُم فِي الرِّوَايَات وَالْأَخْبَار وَعرف بهم ولخص أَحْوَالهم وأخبارهم مُرَتبا لَهُم على حُرُوف المعجم، وَهُوَ مطبوع. وَمن كِتَابه "الْقَصْد والأمم فِي التَّعْرِيف بأصول أَنْسَاب الْعَرَب والعجم" و"الإنباه على قبائل الروَاة" وهما مطبوعان مَعًا. وَكَانَت فِيهِ نَزعَة أدبية جعلته ينظم الشّعْر من حِين إِلَى حِين، كَمَا جعلته يؤلف كِتَابه "بهجة الْمجَالِس وَأنس الْمجَالِس" للمظفر بن الْأَفْطَس صَاحب بطليوس، وَهُوَ مختارات
1 / 7
من غرر الأبيات ونوادر الحكايات الدَّالَّة على مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَقد طبع بِالْقَاهِرَةِ بتحقيق الْأُسْتَاذ الخولي وَيُنْهِي ابْن بشكوال حَدِيثه عَن مصنفاته بقوله: "كَانَ موفقا فِي التَّأْلِيف معانا عَلَيْهِ ونفع الله بتواليفه، وَكَانَ مَعَ تقدمه فِي علم الْأَثر، وبصره بالفقه ومعاني الحَدِيث، لَهُ بسطة كَبِيرَة فِي علم النّسَب وَالْخَبَر".
٢- مصَادر "الدُّرَر فِي اخْتِصَار الْمَغَازِي وَالسير".
ذكر ابْن عبد الْبر فِي خطْبَة هَذَا الْكتاب أَنه أفرده لسَائِر خبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مبعثه وأوقاته مُعْتَمدًا على كتابي مُوسَى بن عقبَة فِي الْمَغَازِي، وَكتاب مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة، ومعروف أَن أَولهَا توفّي سنة ١٤١ لِلْهِجْرَةِ، فِي حِين توفّي الثَّانِي سنة ١٥٠ أَو ١٥١، فِي بعض الرِّوَايَات، وظل كتاباهما المصدرين الأساسيين لسيرة الرَّسُول ﷺ، على مدى العصور التالية، يرجع إِلَيْهِمَا المصنفون والمؤلفون للسيرة الزكية، حَتَّى إِذا طَال بهما الْعُمر سقطا من يَد الزَّمن كَمَا سقط كثير من المصنفات الْقَدِيمَة، إِلَّا قِطْعَة من سيرة ابْن إِسْحَاق لَا تزَال بَاقِيه بمكتبة الرِّبَاط، وَإِلَّا رِوَايَة ابْن هِشَام لَهَا. وَهِي لَيست رِوَايَة تَامَّة إِنَّمَا هِيَ تَهْذِيب وتنقيح لَهَا واختصار، وَلم يروها عَن ابْن إِسْحَاق مُبَاشرَة، إِنَّمَا رَوَاهَا عَن تِلْمِيذه زِيَاد بن عبد الله البكائي، وَقد طبعت فِي عصرنا مرَارًا.
وَيَقُول ابْن عبد الْبر: إِنَّه اختصر سيرته من كتاب ابْن إِسْحَاق رِوَايَة ابْن هِشَام وَغَيره، ويفصل القَوْل فِي ذَلِك فِي أثْنَاء حَدِيثه عَن حجَّة الْوَدَاع، قَائِلا: "مَا كَانَ فِي كتَابنَا هَذَا عَن ابْن إِسْحَاق فروايتنا فِيهِ عَن عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، عَن قَاسم بْن أصبغ، عَن مُحَمَّد بْن عَبْد السَّلَام الْخُشَنِي، عَن مُحَمَّد بْن البرقي، عَن ابْن هِشَام، عَن زِيَاد البكائي عَن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق. وَقِرَاءَة مني أَيْضا على عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن يُوسُف، عَن ابْن مفرج، عَن ابْن الْأَعرَابِي، عَن العطاردي، عَن يُونُس بْن بكير، عَن ابْن إِسْحَاق. وَقِرَاءَة مني أَيْضا على عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، عَن قَاسم بْن أصبغ، عَن عبيد بْن عَبْد الْوَاحِد الْبَزَّار، عَن [أَحْمد بْن] مُحَمَّد بْن أَيُّوب، عَن إِبْرَاهِيم بْن سعد، عَن ابْن إِسْحَاق". وَإِذن فَهُوَ لم يكتف بِرِوَايَة ابْن هِشَام لكتاب ابْن إِسْحَاق، بل ضم إِلَيْهَا رِوَايَة يُونُس بن بكير، وبمكتبة الْقرَوِيين بفاس نُسْخَة مِنْهَا مخطوطة، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ضم إِلَيْهَا رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن
1 / 8
سعد، وَبِذَلِك كَانَ بَين يَدَيْهِ ثَلَاث رِوَايَات لكتاب ابْن إِسْحَاق.
ويحدثنا ابْن عبد الْبر فِي نفس الْموضع أَن مَا كَانَ فِي كِتَابه عَن مُوسَى بن عقبَة فقرأه على عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان وَأحمد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمد بن الجسور، عَن قَاسم بْن أصبغ عَن مطرف بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن قيس، عَن يَعْقُوب، عَن ابْن فليح، عَن مُوسَى بْن عقبَة.
ويعقب على ذَلِك بقوله: "ولي فِي ذَلِك رِوَايَات وأسانيدُ مَذْكُورَة فِي صدر كتاب الصَّحَابَة" وَهُوَ يُرِيد كِتَابه: "الِاسْتِيعَاب فِي معرفَة الْأَصْحَاب". وَإِذا رَجعْنَا إِلَى فواتحه وَجَدْنَاهُ يَقُول إِن مَا فِيهِ عَن مُوسَى بْن عقبَة فَمن طَرِيقين: أَحدهمَا هَذَا الطَّرِيق الَّذِي ذكره، وَثَانِيهمَا عَن خلف بن قَاسم عَن أبي الْحسن عَن أبي الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عبد الْغفار يعرف بِابْن الون الْمصْرِيّ، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان النَّوْفَلِي، عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي، عَن مُحَمَّد بْن فليح، عَن مُوسَى بن عقبَة. وَلَا يلبث ابْن عبد الْبر أَيْضا أَن يَقُول: وحَدثني أَيْضا عبد الْوَارِث، عَن قَاسم، عَن ابْن أبي خَيْثَمَة فِي كِتَابه، عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، عَن مُحَمَّد بْن فليح، عَن مُوسَى بن عقبَة. وَفِي نفس الْموضع يَقُول ابْن عبد الْبر: "وَفِي الفهرسة روايتنا لكتاب الْوَاقِدِيّ وَغَيره، تركنَا ذَلِك هَا هُنَا خشيَة الإطالة بِذكرِهِ". والفهرسة سجل أَو كتيب صَغِير ذكر فِيهِ رواياته الْكتب عَن شُيُوخه مفيضا فِي أسانيدها الْمُخْتَلفَة. وَذكر فِي فواتح الِاسْتِيعَاب رِوَايَته لكتابي الْوَاقِدِيّ: الطَّبَقَات والمغازي، أما الطَّبَقَات فَقَالَ: "قرأته على أَحْمد بن قَاسم التاهرتي، عَن مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْقرشِي، عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن جميل، عَن مُحَمَّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ، عَن الْوَاقِدِيّ". وَأما الْمَغَازِي فَقَالَ: "أَخْبرنِي بِهِ خلف عَن قَاسم، عَن أبي الْحسن، عَن أبي الْعَبَّاس بن الون، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان النَّوْفَلِي، عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي، عَن الْوَاقِدِيّ".
وَيَقُول ابْن عبد الْبر فِي نفس الْموضع مكملا حَدِيثه عَن مصَادر كِتَابه: "وَفِي كتاب أبي بكر بْن أبي خَيْثَمَة- روايتي لَهُ عَن عَبْد الْوَارِث، عَن قَاسم، عَنهُ- من ذَلِك أَطْرَاف". وَيَقُول فِي فواتح الِاسْتِيعَاب: "قَرَأت جَمِيع كتاب ابْن أبي خَيْثَمَة على أبي الْقَاسِم عبد الْوَارِث بن سُفْيَان بن حبرون، عَن أبي مُحَمَّد قَاسم بن أصبغ بن يُوسُف الشَّيْبَانِيّ، عَن ابْن أبي خَيْثَمَة أبي بكر أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ" وَفِي الْكتاب أَحَادِيث مُخْتَلفَة رويت عَن ابْن أبي خَيْثَمَة بالسند الْمَذْكُور. وَيظْهر أَنه كَانَ لَهُ كتاب فِي السّنَن بِجَانِب كِتَابه التَّارِيخ الْكَبِير فِي تَعْدِيل الروَاة وتجريحهم.
1 / 9
وَهَذِه هِيَ المصادر الَّتِي عَنى ابْن عبد الْبر بذكرها، وَلَا ريب فِي أَن وَرَاءَهَا مصَادر أُخْرَى لم يعن بإيرادها، من ذَلِك أَنه يروي أَكثر الْأَحَادِيث فِي هَذِه السِّيرَة عَن أبي مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بن عبد الْمُؤمن، وَفِيه يَقُول الْحميدِي: "رَحل إِلَى الْعرَاق وَغَيرهَا وَسمع إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الصفار، وَأَبا بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عبد الرَّزَّاق الْمَعْرُوف بِابْن داسة صَاحب أبي دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، وَأَبا بكر أَحْمد بن جَعْفَر بن مَالك الْقطيعِي صَاحب عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، وَأحمد بن سُلَيْمَان النجاد، وَمُحَمّد بن عُثْمَان بن ثَابت الصيدلاني صَاحب إِسْمَاعِيل القَاضِي وَنَحْو، وَحدث بالأندلس، روى لنا عَنهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر الْحَافِظ". فرواية ابْن عبد الْبر تتصل بِهِ بِشَهَادَة الْحميدِي تِلْمِيذه، وَنَفس الْأَحَادِيث وَالْأَخْبَار الَّتِي يَرْوِيهَا عَنهُ تتصل مُبَاشرَة بِابْن داسة عَن أبي دَاوُد السجسْتانِي.
وبجانب ابْن عبد الْمُؤمن نجد ابْن عبد الْبر يروي أَحَادِيث وأخبارا أُخْرَى عَن سعيد بن نصر، وَفِيه يَقُول الْحميدِي: "سمع قَاسم بن أصبغ الْبَيَانِي وَمُحَمّد بن مُعَاوِيَة الْقرشِي.
وروى عَنهُ الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو عمر يُوسُف بْن عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بن عبد الْبر" وَسَنَده فِي السِّيرَة يتَّصل بشيخه قَاسم. ونجد أَيْضا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَيَقُول الْحميدِي إِنَّه: "يعرف ابْن المدمالة، روى عَن مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْقرشِي ... وروى عَنهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر النمري" وَقَالَ: كَانَ من أضبط النَّاس لكتبه وأفهمهم لمعاني الرِّوَايَة، لَهُ تأليف جمع فِيهِ كَلَام يحيى بن معِين "الْمُحدث" فِي ثَلَاثِينَ جُزْءا أخبرنَا بِهِ أَبُو عمر بن عبد الْبر عَنهُ" "وَسَنَده فِي السِّيرَة يتَّصل مُبَاشرَة بِمُحَمد بن مُعَاوِيَة الْقرشِي.
وسَاق ابْن عبد الْبر فِي "بعث بِئْر مَعُونَة" حَدِيثا عَن أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّد بن عَليّ وَهُوَ أَبُو عمر الْبَاجِيّ، وَفِيه يَقُول الْحميدِي: "روى عَنهُ جمَاعَة أكَابِر أدركنا مِنْهُم الْفَقِيه أَبَا عمر يُوسُف بْن عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْبر الْحَافِظ" وَيذكر الْحميدِي من شُيُوخ الْبَاجِيّ الْحسن بن إِسْمَاعِيل. وَسَنَد الحَدِيث الَّذِي ذكره ابْن عبد الْبر عَن الْبَاجِيّ مَوْصُول بِهِ مُبَاشرَة. وَذكر مَعَ بعض الْأَخْبَار سعيد بن يحيى الْأمَوِي، وَكَأن كِتَابه "السّير" كَانَ أحد مصادره.
وَقد يختصر ابْن عبد الْبر سَنَد الحَدِيث وَالْخَبَر، فَلَا يذكر سلسلة رواتهما كَامِلَة، بل يَكْتَفِي بِمثل قَوْله: روى عَن عبَادَة بْن الصَّامِت، أَو قَالَ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ أَو قَالَ
1 / 10
معمر، أَو ذكر ابْن جريج، أَو روى سُفْيَان الثَّوْريّ، أَو قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، أَو قَالَ سنيد، أَو قَالَ وَكِيع.
٣- تَوْثِيق النَّص وَقِيمَته
ذكر الْحميدِي فِي تَرْجَمته لِابْنِ عبد الْبر أَنه صنف فِيمَا صنف كتاب "الدُّرَر فِي اخْتِصَار الْمَغَازِي وَالسير" وتوالى غير وَاحِد بعده مِمَّن ترجموا لِابْنِ عبد الْبر يذكرُونَهُ بَين مصنفاته. وَقد رَأينَا فِي تضاعيف الْكتاب مَا يشْهد شَهَادَة قَاطِعَة بِأَنَّهُ من تأليفه، فقد ذكر -كَمَا أسلفنا- طرفنا من أسانيده عَن كتب مُوسَى بن عقبَة وَابْن إِسْحَاق وَابْن أبي خَيْثَمَة، وأحال من يُرِيد استكمالها على كِتَابه "الِاسْتِيعَاب فِي معرفَة الْأَصْحَاب" وَهِي فِيهِ أَكثر تَفْصِيلًا.
وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْموضع الوحيد الَّذِي أحَال فِيهِ على الِاسْتِيعَاب فِي الْكتاب، فقد تَكَرَّرت إحالته عَلَيْهِ، إِذْ نجده يذكرهُ فِي خطْبَة الْكتاب على نَحْو مَا سنرى عَمَّا قَلِيل. وَقد توقف عِنْد قَول الْقَائِلين بِأَن عليا كَانَ أول النَّاس إِيمَانًا بِاللَّه وَرَسُوله قَائِلا: "وَقد ذكرنَا الْقَائِلين بذلك والآثارَ الْوَارِدَة فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة". وَيذكر فِي تَسْمِيَته من شهد بَدْرًا من الْمُهَاجِرين خباب بن الْأَرَت، وَيَقُول إِنَّه خزاعي وَيُقَال تميمي، ويعقب على ذَلِك بقوله: "وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي نسبه وولائه وحلفه فِي بَاب اسْمه من كتاب الصَّحَابَة".
وَيذكر بَين من اسْتشْهد من الْمُهَاجِرين فِي يَوْم أحد عبد الله بن جحش وَأَنه دفن مَعَ حَمْزَة فِي قبر وَاحِد، ثمَّ يَقُول: "وَقد ذكرنَا خَبره عِنْد ذكره فِي كتاب الصَّحَابَة". ويتحدث عَن بعث الرجيع وَقتل خبيب فِيهِ، وَيَقُول: "وَقد ذكرنَا خَبره وَمَا لَقِي بِمَكَّة عِنْد ذكر اسْمه فِي كتاب الصَّحَابَة" ويسوق لَهُ بَيْتَيْنِ قالهما حِين قدمه الْمُشْركُونَ ليصلب ويتلوهما بقوله: "فِي أَبْيَات قد ذكرتها عِنْد ذكره فِي كتاب الصَّحَابَة". وعدتها فِيهِ عشرَة أَبْيَات. وَيَقُول فِي غَزْوَة فتح مَكَّة: "وَأنْشد الرَّسُول عَمْرو بْن سَالم الشّعْر الَّذِي ذكرته فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة". وَيذكر فِي بَاب الْوُفُود الحتات بن يزِيد الْمُجَاشِعِي الَّذِي آخى الرَّسُول بَينه وَبَين مُعَاوِيَة، وَيَقُول: "قد ذكرنَا خَبره فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة". ويتحدث عَن غسل الرَّسُول وتكفينه بعد مَوته، وَيَقُول: إِن شقران مَوْلَاهُ حضرهم "وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ كِتَابِ
1 / 11
الصَّحَابَةِ سُؤَالَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى". وَلم يحل ابْن عبد الْبر على الِاسْتِيعَاب وَحده من كتبه، فقد أحَال أَيْضا على كِتَابه "التَّمْهِيد لما فِي الْمُوَطَّأ من الْمعَانِي والأسانيد" إِذْ عقب على حالات الْوَحْي فِي مفتتح الْكتاب بقوله: "وَقد أشبعنا هَذَا الْمَعْنى فِي كتاب التَّمْهِيد عِنْد ذكر حَدِيث عَائِشَة ﵂ الْمَذْكُور". وتحدث فِي خَاتِمَة الْكتاب عَن صَلَاة أبي بكر بِالنَّاسِ فِي مرض الرَّسُول ﷺ، وَقَالَ: "وَقد أوضحنا مَعَاني صلَاته فِي مَرضه بِالنَّاسِ مَعَ أبي بكر وَمَكَان الْمُقدم مِنْهُمَا، وَمَا يَصح فِي ذَلِك عندنَا فِي كتاب التَّمْهِيد". وَمر بِنَا تعقبنا لمن روى عَنْهُم ابْن عبد الْبر الْأَحَادِيث وَالْأَخْبَار فِي هَذِه السِّيرَة مِمَّن لم يذكرهم فِي أسانيده لكتب ابْن عقبَة وَابْن إِسْحَاق وَابْن أبي خَيْثَمَة، ورأيناهم جَمِيعًا فِي عداد أساتذته الَّذين روى عَنْهُم، بِشَهَادَة تِلْمِيذه الْحميدِي.
وكل ذَلِك مَعْنَاهُ أَن نِسْبَة هَذِه السِّيرَة إِلَى ابْن عبد الْبر نِسْبَة وَثِيقَة، ونراه يَقُول فِي خطبتها أَو فاتحتها: "هَذَا كتاب اختصرت فِيهِ ذكر مبعث النَّبِي ﷺ وَابْتِدَاء نبوته وَأول أمره فِي رسَالَته ومغازيه وسيره فِيهَا، لِأَنِّي ذكرت مولده وحاله فِي نشأته وعيونا من أخباره فِي صدر كتابي فِي الصَّحَابَة، وأفردت هَذَا الْكتاب لسَائِر خَبره فِي مبعثه وأوقاته ﷺ ... والنسق كُله على مَا رسمه ابْن إِسْحَاق. فَذكرت مَغَازِيَهُ وسيره على التَّقْرِيب والاختصار والاقتصار على الْعُيُون من ذَلِك دون الحشو والتخليط".
وواضح من ذَلِك أَن ابْن عبد الْبر قصد فِي هَذَا الْكتاب إِلَى صنع مُخْتَصر للسيرة النَّبَوِيَّة، وَعبر عَن مقْصده لَا فِي خطْبَة الْكتاب فَحسب، بل أَيْضا فِي عنوانه الَّذِي اخْتَارَهُ لَهُ، وكأنما رَأْي كتب السِّيرَة تحتوي على حَشْو كثير، فَرَأى أَن يَكْتَفِي بالدرر والفرائد الَّتِي تجْعَل مِنْهَا خيطا ممدودا مُتَّصِلا. وَقد بَدَأَ هَذَا الْمُخْتَصر بالمبعث وَمَا بعده من الْمَغَازِي والأحداث، أما مَا قبل ذَلِك من ولادَة الرَّسُول وَنسبه ووفاة أَبِيه وَأمه وجده وكفالة أبي طَالب ونشأته وأطواره قبل الْبعْثَة وزواجه بالسيدة خَدِيجَة فقد أجمله فِي صدر كِتَابه:
"الِاسْتِيعَاب فِي معرفَة الْأَصْحَاب" وَكَأَنَّهُ رأى أَن لَا دَاعِي لتكرار حَدِيثه عَنهُ. وَيَقُول إِنَّه بنى الْكتاب على مَا رسمه ابْن إِسْحَاق، والتقاؤه بِهِ وَاضح فِي الْمَغَازِي وتواليها وَأَسْمَاء من شاركوا واستشهدوا من الْمُسلمين فِيهَا وَمن قتلوا أَو أَسرُّوا من الْمُشْركين. وَإِذا كَانَ قد تَابع ابْن إِسْحَاق فِي الْبناء الْعَام فَإِنَّهُ اسْتَقل عَنهُ فِي كثير من الْمَوَاضِع بِمَا أضَاف من كتابي مُوسَى
1 / 12